محمد بن جرير الطبري
119
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أسلم أبي عمران ، قال : غزونا من المدينة نريد القسطنطينية وعلى أهل مصر عقبة بن عامر ، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد . قال : فصففنا صفين لم أر صفين قط أعرض ولا أطول منهما ، والروم ملصقون ظهورهم بحائط المدينة ، قال : فحمل رجل منا على العدو ، فقال الناس : مه لا إله إلا الله ، يلقي بيده إلى التهلكة قال أبو أيوب الأَنصاري : إنما تتأولون هذه الآية هكذا أن حمل رجل يقاتل يلتمس الشهادة أو يبلي من نفسه إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأَنصار . إنا لما نصر الله نبيه ، وأظهر الإِسلام ، قلنا بيننا معشر الأَنصار خفيا من رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنا قد كنا تركنا أهلنا وأموالنا أن نقيم فيها ونصلحها حتى نصر الله نبيه ، هلم نقيم في أموالنا ونصلحها فأنزل الله الخبر من السماء : وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ الآية ، فالإِلقاء بالأَيدي إلى التهلكة : أن نقيم في أموالنا ونصلحها ، وندع الجهاد . قال أبو عمران : فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية . حدثني محمد بن عمارة الأَسدي ، وعبد الله بن أبي زياد قالا : ثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد ، قال : أخبرني حيوة وابن لهيعة ، قالا : ثنا يزيد بن أبي حبيب ، قال : حدثني أسلم أبو عمران مولى تجيب ، قال : كنا بالقسطنطينية ، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر الجهني صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج من المدينة صف عظيم من الروم ، قال : وصففنا صفا عظيما من المسلمين ، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم ، ثم خرج إلينا مقبلا ، فصاح الناس وقالوا : سبحان الله ، ألقى بيده إلى التهلكة فقام أبو أيوب الأَنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية على هذا التأويل ، وإنما أنزلت هذه الآية فينا معاشر الأَنصار : إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصريه ، قلنا فيما بيننا بعضنا لبعض سرا من رسول الله إن أموالنا قد ضاعت ، فلو أنا أقمنا فيها فأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله في كتابه يرد علينا ما هممنا به ، فقال : وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ بالإِقامة التي أردنا أن نقيم في الأَموال ونصلحها ، فأمرنا بالغزو فما زال أبو أيوب غازيا في سبيل الله حتى قبض الله . والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : إن الله جل ثناؤه أمر بالإِنفاق في سبيله بقوله : وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وسبيله : طريقه الذي شرعه لعباده وأوضحه لهم . ومعنى ذلك : وأنفقوا في إعزاز ديني الذي شرعته لكم بجهاد عدوكم الناصبين لكم الحرب على الكفر بي ونهاهم أن يلقوا بأيديهم إلى التهلكة ، فقال : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وذلك مثل ، والعرب تقول للمستسلم للأَمر : أعطى فلان بيديه ، وكذلك يقال للممكن من نفسه مما أريد به أعطى بيديه . فمعنى قوله : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ولا تستسلموا للهلكة فتعطوها أزمتكم فتهلكوا والتارك النفقة في سبيل الله عند وجوب ذلك عليه مستسلم للهلكة بتركه أداء فرض الله عليه في ماله . وذلك أن الله جل ثناؤه جعل أحد سهام الصدقات المفروضات الثمانية في سبيله ، فقال : إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ إلى قوله : وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فمن ترك إنفاق ما لزمه من ذلك في سبيل الله على ما لزمه كان للهلكة مستسلما وبيديه للتهلكة ملقيا . وكذلك الآيس من رحمة الله لذنب سلف منه ، ملق بيديه إلى التهلكة ، لأَن الله قد نهى عن ذلك فقال : وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ وكذلك التارك غزو المشركين وجهادهم في حال وجوب ذلك عليه في حال حاجة المسلمين إليه ، مضيع فرضا ، ملق بيده إلى التهلكة . فإذا كانت هذه المعاني كلها يحتملها قوله : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ولم يكن الله عز وجل خص منها شيئا دون شيء ، فالصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله نهى عن الإِلقاء بأيدينا لما فيه هلاكنا ، والاستسلام للهلكة ، وهي العذاب ، بترك ما لزمنا من فرائضه ، فغير جائز لأَحد منا الدخول في شيء يكره الله منا مما نستوجب بدخولنا فيه عذابه . غير أن الأَمر وإن كان كذلك ، فإن الأَغلب من تأويل الآية : وأنفقوا أيها المؤمنون في سبيل الله ، ولا تتركوا النفقة فيها فتهلكوا باستحقاقكم بترككم ذلك عذابي . كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثنا معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ قال : التهلكة : عذاب الله . قال أبو جعفر : فيكون ذلك إعلاما منه لهم بعد أمره