محمد بن جرير الطبري
84
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يعني ظفر بحاجته وأصاب خيرا . ومنه قول الراجز : عدمت أما ولدت رباحا * جاءت به مفركحا فركاحا تحسب أن قد ولدت نجاحا * أشهد لا يزيدها فلاحا يعني خيرا وقربا من حاجتها . والفلاح : مصدر من قولك : أفلح فلان يفلح إفلاحا ، وفلاحا ، وفلحا . والفلاح أيضا البقاء ، ومنه قول لبيد : نحل بلادا كلها حل قبلنا * ونرجو الفلاح بعد عاد وحمير يريد البقاء . ومنه أيضا قول عبيد : أفلح بما شئت فقد يبلع بالضعف * وقد يخدع الأَريب يريد : عش وابق بما شئت . وكذلك قول نابغة بني ذبيان : وكل فتى ستشعبه شعوب * وإن أثرى وإن لاقى فلاحا أي نجاحا بحاجته وبقاء . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ اختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية ، وفيمن نزلت ، فكان ابن عباس يقول ، كما : حدثنا به محمد بن حميد ، قال : حدثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أي بما أنزل إليك من ربك ، وإن قالوا إنا قد آمنا بما قد جاءنا من قبلك . وكان ابن عباس يرى أن هذه الآية ، نزلت في اليهود الذين كانوا بنواحي المدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم توبيخا لهم في جحودهم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وتكذيبهم به ، مع علمهم به ومعرفتهم بأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم وإلى الناس كافة . وحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أن صدر سورة البقرة إلى المائة منها نزل في رجال سماهم بأعيانهم وأنسابهم من أحبار اليهود ، ومن المنافقين من الأَوس والخزرج . كرهنا تطويل الكتاب بذكر أسمائهم . وقد روي عن ابن عباس في تأويل ذلك قول آخر ، وهو ما : حدثنا به المثنى بن إبراهيم ، قال حدثنا عبد الله بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص على أن يؤمن جميع الناس ، ويتابعوه على الهدى ؛ فأخبره الله جل ثناؤه أنه لا يؤمن إلا من سبق من الله السعادة في الذكر الأَول ، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاء في الذكر الأَول . وقال آخرون بما : حدثت به عن عمار بن الحسن ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس ، قال : آيتان في قادة الأَحزاب : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ إلى قوله : وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ قال : وهم الذين ذكرهم الله في هذه الآية : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ قال : فهم الذين قتلوا يوم بدر . وأولى هذه التأويلات بالآية تأويل ابن عباس الذي ذكره محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير عنه ؛ وإن كان لكل قول مما قاله الذين ذكرنا قولهم في ذلك مذهب . فأما مذهب من تأول في ذلك ما قاله الربيع بن أنس ، فهو أن الله تعالى