محمد بن جرير الطبري
77
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فيه . قال : وإن جعلت " لا ريب فيه " خبره رفعت أيضا " هدى " بجعله تابعا لموضع " لا ريب فيه " كما قال الله جل ثناؤه : وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ كأنه قال : وهذا كتاب هدى من صفته كذا وكذا . قال : وأما أحد وجهي النصب ، فأن تجعل " الكتاب " خبرا ل " ذلك " وتنصب " هدى " على القطع ؛ لأَن " هدى " نكرة اتصلت بمعرفة وقد تم خبرها فتنصبها ، لأَن النكرة لا تكون دليلا على معرفة ، وإن شئت نصبت " هدى " على القطع من الهاء التي في " فيه " كأنك قلت : لا شك فيه هاديا . قال أبو جعفر : فترك الأَصل الذي أصله في " ألم " وأنها مرفوعة ب " ذلك الكتاب " ونبذه وراء ظهره . واللازم له على الأَصل الذي كان أصله أن لا يجيز الرفع في " هدى " بحال إلا من وجه واحد ، وذلك من قبل الاستئناف إذ كان مدحا . فأما على وجه الخبر لذلك ، أو على وجه الإِتباع لموضع " لا ريب فيه " ، فكان اللازم له على قوله أن يكون خطأ ، وذلك أن " ألم " إذا رفعت " ذلك الكتاب " فلا شك أن " هدى " غير جائز حينئذ أن يكون خبرا " ذلك " بمعنى الرافع له ، أو تابعا لموضع لا ريب فيه ، لأَن موضعه حينئذ نصب لتمام الخبر قبله وانقطاعه بمخالفته إياه عنه . القول في تأويل قوله تعالى : لِلْمُتَّقِينَ . حدثنا سفيان بن وكيع ، قال : حدثنا أبي عن سفيان ، عن رجل ، عن الحسن قوله : لِلْمُتَّقِينَ قال : اتقوا ما حرم عليهم وأدوا ما افترض عليهم . حدثنا محمد بن حميد ، قال : حدثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : لِلْمُتَّقِينَ أي الذين يحذرون من الله عز وجل عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى ، ويرجون رحمته بالتصديق بما جاء به . حدثني موسى بن هارون قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ قال : هم المؤمنون . حدثنا أبو كريب قال : حدثنا أبو بكر بن عياش ، قال : سألني الأَعمش عن المتقين ، قال : فأجبته ، فقال لي : سل عنها الكلبي فسألته فقال : الذين يجتنبون كبائر الإِثم . قال : فرجعت إلى الأَعمش ، فقال : نرى أنه كذلك ولم ينكره . حدثني المثنى بن إبراهيم الطبري ، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج عن عبد الرحمن بن عبد الله ، قال : حدثنا عمر أبو حفص ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة . هُدىً لِلْمُتَّقِينَ هم من نعتهم ووصفهم فأثبت صفتهم فقال : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثان بن سعيد ، قال حدثنا بشر بن عمار ، عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس : لِلْمُتَّقِينَ قال : المؤمنين الذين يتقون الشرك ويعملون بطاعتي . وأولى التأويلات بقول الله جل ثناؤه : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ تأويل من وصف القوم بأنهم الذين اتقوا الله تبارك وتعالى في ركوب ما نهاهم عن ركوبه ، فتجنبوا معاصيه واتقوه فيما أمرهم به من فرائضه فأطاعوه بأدائها . وذلك أن الله عز وجل إنما وصفهم بالتقوى فلم يحصر تقواهم إياه على بعضها من أهل منهم دون بعض . فليس لأَحد من الناس أن يحصر معنى ذلك على وصفهم بشيء من تقوى الله عز وجل دون شيء إلا بحجة يجب التسليم لها ، لأَن ذلك من صفة القوم لو كان محصورا على خاص من معاني التقوى دون العالم منها لم يدع الله جل ثناؤه بيان ذلك لعباده ، أما في كتابه ، وإما على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ إذ لم يكن في العقل دليل على استحالة وصفهم بعموم التقوى . فقد تبين