محمد بن جرير الطبري
60
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أنه خطأ في كلام العرب إذا وصفت معرفة مؤقتة بنكرة أن تلزم نعتها النكرة إعراب المعرفة المنعوت بها ، إلا على نية تكرير ما أعرب المنعوت بها . خطأ في كلامهم أن يقال : مررت بعبد الله غير العالم ، فتخفض " غير " إلا على نية تكرير الباء التي أعربت عبد الله ، فكان معنى ذلك لو قيل كذلك : مررت بعبد الله ، مررت بغير العالم . فهذا أحد وجهي الخفض في : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ والوجه الآخر من وجهي الخفض فيها أن يكون " الذين " بمعنى المعرفة المؤقتة . وإذا وجه إلى ذلك ، كانت " غير " مخفوضة بنية تكرير الصراط الذي خفض الذين عليها ، فكأنك قلت : صراط الذين أنعمت عليهم صراط غير المغضوب عليهم . وهذان التأويلان في غير المغضوب عليهم ، وإن اختلفا باختلاف معربيهما ، فإنهما يتقارب معناهما ؛ من أجل أن من أنعم الله عليه فهداه لدينه الحق فقد سلم من غضب ربه ونجا من الضلال في دينه ، فسواء إذ كان سامع قوله : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غير جائز أن يرتاب مع سماعه ذلك من تاليه في أن الذين أنعم الله عليهم بالهداية للصراط ، غير غاضب ربهم عليهم مع النعمة التي قد عظمت منته بها عليهم في دينهم ، ولا أن يكونوا ضلالا وقد هداهم للحق ربهم ، إذ كان مستحيلا في فطرهم اجتماع الرضا من الله جل ثناؤه عن شخص والغضب عليه في حال واحدة واجتماع الهدى والضلال له في وقت واحد أوصف القوم مع وصف الله إياهم بما وصفهم به من توفيقه إياهم وهدايته لهم وإنعامه عليهم بما أنعم الله به عليهم في دينهم بأنهم غير مغضوب عليهم ولا هم ضالون ، أم لم يوصفوا بذلك ؛ لأَن الصفة الظاهرة التي وصفوا بها قد أنبأت عنهم أنهم كذلك وإن لم يصرح وصفهم به . هذا إذا وجهنا " غير " إلى أنها مخفوضة على نية تكرير الصراط الخافض الذين ، ولم نجعل غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ من صفة الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ بل إذا جعلناهم غيرهم ؛ وإن كان الفريقان لا شك منعما عليهما في أديانهم . فأما إذا وجهنا : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ إلى أنها من نعت الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ فلا حاجة بسامعه إلا الاستدلال ، إذ كان الصريح من معناه قد أغنى عن الدليل ، وقد يجوز نصب " غير " في غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وإن كنت للقراءة بها كارها لشذوذها عن قراءه القراء . وإن ما شذ من القراءات عما جاءت به الأَمة نقلا طاهرا مستفيضا ، فرأي للحق مخالف وعن سبيل الله وسبيل رسوله صلى الله عليه وسلم وسبيل المسلمين متجانف ، وإن كان له لو كانت القراءة جائزة به في الصواب مخرج . وتأويل وجه صوابه إذا نصبت : أن يوجه إلى أن يكون صفة للهاء والميم اللتين في " عليهم " العائدة على " الذين " ، لأَنها وإن كانت مخفوضة ب " على " ، فهي في محل نصب يقوله : " أنعمت " . فكأن تأويل الكلام إذا نصبت " غير " التي مع " المغضوب عليهم " : صراط الذين هديتهم إنعاما منك عليهم غير مغضوب عليهم ، أي لا مغضوبا عليهم ولا ضالين . فيكون النصب في ذلك حينئذ كالنصب في " غير " في قولك : مررت بعبد الله غير الكريم ولا الرشيد ، فتقطع غير الكريم من عبد الله ، إذ كان عبد الله معرفة مؤقتة وغير الكريم نكرة مجهولة . وقد كان بعض نحويي البصريين يزعم أن قراءة من نصب " غير " في غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ على وجه استثناء غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ من معاني صفة الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ كأنه كان يرى أن معنى الذين قرءوا ذلك نصبا : اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم إلا المغضوب عليهم الذين لم تنعم عليهم في أديانهم ولم تهدهم للحق ، فلا تجعلنا منهم ؛ كما قال نابغة بني ذبيان :