محمد بن جرير الطبري
54
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أو يكلفه فرض عمل إلا بعد إعطائه المعونة على فعله وعلى تركه . ولو كان الذي قالوا من ذلك كما قالوا ؛ لبطلت الرغبة إلى الله في المعونة على طاعته ، إذ كان على قولهم مع وجود الأَمر والنهي والتكليف حقا واجبا على الله للعبد إعطاؤه المعونة عليه ، سأله عبده ذلك أو ترك مسألة ذلك ؛ بل ترك إعطائه ذلك عندهم منه جور . ولو كان الأَمر في ذلك على ما قالوا ، لكن القائل : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ إنما يسأل ربه أن لا يجور . وفي إجماع أهل الإِسلام جميعا على تصويب قول القائل : اللهم إنا نستعينك ؛ وتخطئتهم قول القائل : اللهم لا تجر علينا ، دليل واضح على خطأ ما قال الذين وصفت قولهم ، إن كان تأويل قول القائل عندهم : اللهم إنا نستعينك ، اللهم لا تترك معونتنا التي ترككها جور منك . فإن قال قائل : وكيف قيل : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فقدم الخبر عن العبادة ، وأخرت مسألة المعونة عليها بعدها ؟ وإنما تكون العبادة بالمعونة ، فمسألة المعونة كانت أحق بالتقديم قبل المعان عليه من العمل والعبادة بها . قيل : لما كان معلوما أن العبادة لا سبيل للعبد إليها إلا بمعونة من الله جل ثناؤه ، وكان محالا أن يكون العبد عابدا إلا وهو على العبادة معان ، وأن يكون معانا عليها إلا وهو لها فاعل ؛ كان سواء تقديم ما قدم منهما على صاحبه ، كما سواء قولك للرجل إذا قضى حاجتك فأحسن إليك في قضائها : قضيت حاجتي فأحسنت إلي ، فقدمت ذكر قضائه حاجتك . أو قلت : أحسنت إلي فقضيت حاجتي ، فقدمت ذكر الإِحسان على ذكر قضاء الحاجة ؛ لأَنه لا يكون قاضيا حاجتك إلا وهو إليك محسن ، ولا محسنا إليك إلا وهو لحاجتك قاض . فكذلك سواء قول القائل : اللهم إنا إياك نعبد فأعنا على عبادتك ، وقوله : اللهم أعنا على عبادتك فإنا إياك نعبد . قال أبو جعفر : وقد ظن بعض أهل الغفلة أن ذلك من المقدم الذي معناه التأخير ، كما قال امرؤ القيس : ولو أن ما أسعى لأَدنى معيشة * كفاني ولم أطلب قليل من المال يريد بذلك : كفاني قليل من المال ولم أطلب كثيرا . وذلك من معنى التقديم والتأخير ، ومن مشابهة بيت امرئ القيس بمعزل ؛ من أجل أنه قد يكفيه القليل من المال ويطلب الكثير ، فليس وجود ما يكفيه منه بموجب له ترك طلب الكثير . فيكون نظير العبادة التي بوجودها وجود المعونة عليها ، وبوجود المعونة عليها وجودها ، ويكون ذكر أحدهما دالا على الآخر ، فيعتدل في صحة الكلام تقديم ما قدم منهما قبل صاحبه أن يكون موضوعا في درجته ومرتبا في مرتبته . فإن قال : فما وجه تكراره : إِيَّاكَ مع قوله : نَسْتَعِينُ وقد تقدم ذلك قبل نعبد ؟ وهلا قيل : إياك نعبد ونستعين ، إذ كان المخبر عنه أنه المعبود هو المخبر عنه أنه المستعان ؟ قيل له : إن الكاف التي مع " ايا " ، هي الكاف التي كانت تتصل بالفعل ، أعني بقوله : نَعْبُدُ لو كانت مؤخرة بعد الفعل . وهي كناية اسم المخاطب المنصوب بالفعل ، فكثر ب " ايا " متقدمة ، إذ كان الأَسماء إذا انفردت بأنفسها لا تكون في كلام العرب على حرف واحد ، فلما كانت الكاف من " إياك " هي كناية اسم المخاطب التي كانت تكون كافا وحدها متصلة بالفعل إذا كانت بعد الفعل ، ثم كان حظها أن تعاد مع كل فعل اتصلت به ، فيقال : اللهم إنا نعبدك ونستعينك ونحمدك ونشكرك ؛ وكان ذلك أفصع في كلام العرب من أن يقال : اللهم إنا نعبدك ونستعين ونحمد ؛ كان كذلك إذا قدمت كناية اسم المخاطب قبل الفعل موصولة ب " ايا " ، كان الأَفصح