محمد بن جرير الطبري
50
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً المعنى : الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب قيما لم يجعل له عوجا ، وما أشبه ذلك . ففي ذلك دليل شاهد على صحة قول من أنكر أن تكون " بسم الله الرحمن الرحيم " من فاتحة الكتاب آية . القول في تأويل قوله تعالى : ملك قال أبو جعفر : القراء مختلفون في تلاوة ملك يوم الدين ، فبعضهم يتلوه : " ملك يوم الدين " ، وبعضهم يتلوه : " مالك يوم الدين " وبعضهم يتلوه : " مالك يوم الدين " بنصب الكاف . وقد استقصينا حكاية الرواية عمن روى عنه في ذلك قراءة في " كتاب القراءات " ، وأخبرنا بالذي نختار من القراءة فيه ، والعلة الموجبة صحة ما اخترنا من القراءة فيه ، فكرهنا إعادة ذلك في هذا الموضع ، إذ كان الذي قصدنا له في كتابنا هذا البيان عن وجوه تأويل آي القرآن دون وجوه قراءتها . ولا خلاف بين جميع أهل المعرفة بلغات العرب ، أن الملك من " الملك " مشتق ، وأن المالك من " الملك " مأخوذ . فتأويل قراءة من قرأ ذلك : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ أن لله الملك يوم الدين خالصا دون جميع خلقه الذين كانوا قبل ذلك في الدنيا ملوكا جبابرة ينازعونه الملك ويدافعونه الانفراد بالكبرياء والعظمة والسلطان والجبرية . فأيقنوا بلقاء الله يوم الدين أنهم الصغرة الأَذلة ، وأن له دونهم ودون غيرهم الملك والكبرياء والعزة والبهاء ، كما قال جل ذكره وتقدست أسماؤه في تنزيله : يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ فأخبر تعالى أنه المنفرد يومئذ بالملك دون ملوك الدنيا الذين صاروا يوم الدين من ملكهم إلى ذلة وصغار ، ومن دنياهم في المعاد إلى خسار . وأما تأويل قراءة من قرأ : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ فما : حدثنا به أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن عمارة ، قال : حدثنا أبو روق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يقول : لا يملك أحد في ذلك اليوم معه حكما كملكهم في الدنيا . ثم قال : لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً وقال : وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ ، وقال : وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى قال أبو جعفر : وأولى التأويلين بالآية وأصح القراءتين في التلاوة عندي التأويل الأَول وهي قراءة من قرأ " ملك " بمعنى " الملك " ؛ لأَن في الإِقرار له بالانفراد بالملك إيجابا لانفراده بالملك وفضيلة زيادة الملك على المالك ، إذ كان معلوما أن لا ملك إلا وهو مالك ، وقد يكون المالك لا ملكا . وبعد : فإن الله جل ذكره قد أخبر عباده في الآية التي قبل قوله : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ أنه مالك جميع العالمين وسيدهم ، ومصلحهم والناظر لهم ، والرحيم بهم في الدنيا والآخرة ؛ بقوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فإذ كان جل ذكره قد أنبأهم عن ملكه إياهم كذلك بقوله : رَبِّ الْعالَمِينَ فأولى الصفات من صفاته جل ذكره ، أن يتبع ذلك ما لم يحوه قوله : رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مع قرب ما بين الآيتين من المواصلة والمجاورة ، إذ كانت حكمته الحكمة التي لا تشبهها حكمة . وكان في إعادة وصفه جل ذكره بأنه مالك يوم الدين ، إعادة ما قد مضى من وصفه به في قوله : رَبِّ الْعالَمِينَ مع تقارب الآيتين وتجاوز الصفتين . وكان في إعادة ذلك تكرار ألفاظ مختلفة بمعان متفقة ، لا تفيد سامع ما كرر منه فائدة به إليها حاجة . والذي لم يحوه من صفاته جل ذكره ما قبل قوله : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ المعنى الذي في قوله : و " ملك يوم الدين " ، وهو وصفه بأنه الملك . فبين إذا أن أولى القراءتين بالصواب وأحق التأويلين بالكتاب : قراءة من قرأه : " ملك يوم الدين " ، بمعنى إخلاص الملك له يوم الدين ، دون قراءة من قرأ : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ بمعنى : أنه يملك الحكم بينهم وفصل القضاء متفردا به دون سائر خلقه . فإن ظن ظان أن قوله : رَبِّ الْعالَمِينَ نبأ عن ملكه إياهم في الدنيا