محمد بن جرير الطبري

439

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الشركاء جمع شريك ، والخصماء جمع خصيم . وتأويل الكلام : أكنتم يا معشر اليهود والنصارى المكذبين بمحمد صلى الله عليه وسلم ، الجاحدين نبوته ، حضور يعقوب وشهوده إذ حضره الموت ، أي أنكم لم تحضروا ذلك . فلا تدعوا على أنبيائي ورسلي الأَباطيل ، وتنحلوهم اليهودية والنصرانية ، فإني ابتعثت خليلي إبراهيم وولده إسحاق وإسماعيل وذريتهم بالحنيفية المسلمة ، وبذلك وصوا بنيهم وبه عهدوا إلى أولادهم من بعدهم ، فلو حضرتموهم فسمعتم منهم علمتم أنهم على غير ما تنحلوهم من الأَديان والملل من بعدهم . وهذه آيات نزلت تكذيبا من الله تعالى لليهود والنصارى في دعواهم في إبراهيم وولده يعقوب أنهم كانوا على ملتهم ، فقال لهم في هذه الآية : أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ فتعلموا ما قال لولده وقال له ولده . ثم أعلمهم ما قال لهم وما قالوا له . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع قوله : أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ يعني أهل الكتاب . القول في تأويل قوله تعالى : إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ . يعني تعالى ذكره بقوله : إِذْ قالَ لِبَنِيهِ إذ قال يعقوب لبنيه . و " إذ " هذه مكررة إبدالا من " إذ " الأَولى بمعنى : أم كنتم شهداء يعقوب إذ قال يعقوب لبنيه حين حضور موته . ومعني بقوله : ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي أي شيء تعبدون من بعدي ، أي من بعد وفاتي . قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ يعني به : قال بنوه له : نعبد معبودك الذي تعبده ، ومعبود آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ، أي نخلص له العبادة ونوحد له الربوبية فلا نشرك به شيئا ولا نتخذ دونه ربا . ويعني بقوله : وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ونحن له خاضعون بالعبودية والطاعة . ويحتمل قوله : وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ أن تكون بمعنى الحال ، كأنهم قالوا : نعبد إلهك مسلمين له بطاعتنا وعبادتنا إياه . ويحتمل أن يكون خبرا مستأنفا ، فيكون بمعنى : نعبد إلهك بعدك ، ونحن له الآن وفي كل حال مسلمون . وأحسن هذين الوجهين في تأويل ذلك أن يكون بمعنى الحال ، وأن يكون بمعنى : نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق مسلمين لعبادته . وقيل : إنما قدم ذكر إسماعيل على إسحاق لأَن إسماعيل كان أسن من إسحاق . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس بن عبد الأَعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ قال : يقال بدأ بإسماعيل لأَنه أكبر . وقرأ بعض المتقدمين : " وإله آبائك أبيك إبراهيم " ظنا منه أن إسماعيل إذ كان عما ليعقوب ، فلا يجوز أن يكون فيمن ترجم به عن الآباء وداخلا في عدادهم . وذلك من قارئه كذلك قلة علم منه بمجاري كلام العرب . والعرب لا تمتنع من أن تجعل الأَعمام بمعنى الآباء ، والأَخوال بمعنى الأمهات ، فلذلك دخل إسماعيل فيمن ترجم به عن الآباء . وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ترجمة عن الآباء في موضع جر ، ولكنهم نصبوا بأنهم لا يجرون . والصواب من القراءة عندنا في ذلك : وَإِلهَ آبائِكَ لإِجماع القراء على تصويب ذلك وشذوذ من خالفه من القراء ممن قرأ خلاف ذلك ، ونصب قوله إِلهاً على الحال من قوله إِلهَكَ . القول في تأويل قوله تعالى : تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ يعني تعالى ذكره بقوله : تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وولدهم . يقول لليهود والنصارى : يا معشر اليهود والنصارى دعوا ذكر إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والمسلمين من أولادهم بغير ما هم أهله ولا تنحلوهم كفر اليهودية والنصرانية فتضيفوها إليهم ، فإنهم أمة ويعني بالأَمة في هذا الموضع الجماعة ، والقرن من الناس قد خلت : مضت لسبيلها . وإنما قيل للذي قد مات فذهب : قد خلا ، لتخليه من الدنيا ، وانفراده بما كان من الأنس بأهله وقرنائه في دنياه ، وأصله من قولهم : خلا الرجل ، إذا صار بالمكان الذي لا أنيس له فيه وانفرد من