محمد بن جرير الطبري
437
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فيما ينفعها ويضرها في معادها . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ قال : إلا من أخطأ حظه . وإنما نصب " النفس " على معنى المفسر ؛ ذلك أن السفه في الأَصل للنفس ، فلما نقل إلى " من " نصبت " النفس " بمعنى التفسير ، كما يقال : هو أوسعكم دارا ، فتدخل " الدار " في الكلام على أن السعة فيه لا في الرجل . فكذلك النفس أدخلت ، لأَن السفه للنفس لا لي " من " ؛ ولذلك لم يجز أن يقال سفه أخوك ، وإنما جاز أن يفسر بالنفس وهي مضافة إلى معرفة لأَنها في تأويل نكرة . وقال بعض نحويي البصرة : إن قوله : سَفِهَ نَفْسَهُ جرت مجرى " سفه " إذا كان الفعل غير متعد . وإنما عداه إلى " نفسه " و " رأيه " وأشباه ذلك مما هو في المعنى نحو سفه ، إذا هو لم يتعد . فأما " غبن " و " خسر " فقد يتعدى إلى غيره ، يقال : غبن خمسين ، وخسر خمسين . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا . يعني تعالى ذكره بقوله : وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا ولقد اصطفينا إبراهيم ، والهاء التي في قوله : اصْطَفَيْناهُ من ذكر إبراهيم . والاصطفاء : الافتعال من الصفوة ، وكذلك اصطفينا افتعلنا منه ، صيرت تاؤها طاء لقرب مخرجها من مخرج الصاد . ويعني بقوله : اصْطَفَيْناهُ اخترناه واجتبيناه للخلة ، ونصيره في الدنيا لمن بعده إماما . وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن أن من خالف إبراهيم فيما سن لمن بعده فهو لله مخالف ، وإعلام منه خلقه أن من خالف ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فهو لإِبراهيم مخالف ؛ وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر أنه اصطفاه لخلته ، وجعله للناس إماما ، وأخبر أن دينه كان الحنيفية المسلمة . ففي ذلك أوضح البيان من الله تعالى ذكره عن أن من خالفه فهو لله عدو لمخالفته الإِمام الذي نصبه الله لعباده . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . يعني تعالى ذكره بقوله : وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ وإن إبراهيم في الدار الآخرة لمن الصالحين . والصالح من بني آدم هو المؤدي حقوق الله عليه . فأخبر تعالى ذكره عن إبراهيم خليله أنه في الدنيا له صفي ، وفي الآخرة ولي ، وإنه وارد موارد أوليائه الموفين بعهده . القول في تأويل قوله تعالى : إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ يعني تعالى ذكره بقوله : إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ إذ قال له ربه : أخلص لي العبادة ، واخضع لي بالطاعة ، وقد دللنا فيما مضى على معنى الإِسلام في كلام العرب ، فأغنى عن إعادته صلى الله عليه وسلم . وأما معنى قوله : قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ فإنه يعنى تعالى ذكره : قال إبراهيم مجيبا لربه : خضعت بالطاعة ، وأخلصت بالعبادة لمالك جميع الخلائق ومدبرها دون غيره . فإن قال قائل : قد علمت أن " إذ " وقت فما الذي وقت به ، وما الذي صلته ؟ قيل : هو صلة لقوله : وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا . وتأويل الكلام : ولقد اصطفيناه في الدنيا حين قال له ربه أسلم ، قال : أسلمت لرب العالمين . وإنما معنى الكلام : ولقد اصطفيناه في الدنيا حين قلنا له أسلم ، قال أسلمت لرب العالمين . فأظهر اسم " الله " في قوله : إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ على وجه الخبر عن غائب ، وقد جرى ذكره قبل على وجه الخبر عن نفسه ، كما قال خفاف بن ندبة : أقول له والرمح يأمر متنه * تأمل خفافا إنني أنا ذالكا فإن قال لنا قائل : وهل دعا الله إبراهيم إلى الإِسلام ؟ قيل له : نعم ، قد دعاه إليه . فإن قال : وفي أي حال دعاه إليه ؟ قيل : حين قال : يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وذلك هو الوقت الذي قال له ربه أسلم من بعد ما امتحنه بالكواكب والقمر والشمس . القول في تأويل قوله تعالى : وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يعني تعالى