محمد بن جرير الطبري
436
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ القرآن . ثم اختلف أهل التأويل في معنى الحكمة التي ذكرها الله في هذا الموضع ، فقال بعضهم : هي السنة . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، والحكمة : أي السنة . وقال بعضهم : الحكمة هي المعرفة بالدين والفقه فيه . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قلت ل مالك : ما الحكمة ؟ قال : المعرفة بالدين ، والفقه في الدين ، والاتباع له . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَالْحِكْمَةَ قال : الحكمة : الدين الذي لا يعرفونه إلا به صلى الله عليه وسلم يعلمهم إياها . قال : والحكمة : العقل في الدين ؛ وقرأ : وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً . وقال لعيسى : وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ قال : وقرأ ابن زيد : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها قال : لم ينتفع بالآيات حيث لم تكن معها حكمة . قال : والحكمة شيء يجعله الله في القلب ينور له به . والصواب من القول عندنا في الحكمة ، أنها العلم بأحكام الله التي لا يدرك علمها إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم والمعرفة بها ، وما دل عليه ذلك من نظائره . وهو عندي مأخوذ من " الحكم " الذي بمعنى الفصل بين الحق والباطل بمنزلة " لجلسة والقعدة " من " الجلوس والقعود " ، يقال منه : إن فلانا لحكيم بين الحكمة ، يعني به أنه لبين الإِصابة في القول والفعل . وإذ كان ذلك كذلك ، فتأويل ، الآية : ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ، ويعلمهم كتابك الذي تنزله عليهم ، وفصل قضائك ، وأحكامك التي تعلمه إياها . القول في تأويل قوله تعالى : وَيُزَكِّيهِمْ . قد دللنا فيما مضى قبل على أن معنى التزكية : التطهير ، وأن معنى الزكاة : النماء والزيادة . فمعنى قوله : وَيُزَكِّيهِمْ في هذا الموضع : ويطهرهم من الشرك بالله وعبادة الأَوثان وينميهم ويكثرهم بطاعة الله . كما : حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُزَكِّيهِمْ قال : يعني بالزكاة ، طاعة الله والإِخلاص . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا حجاج ، قال : قال ابن جريج : قوله : وَيُزَكِّيهِمْ قال : يطهرهم من الشرك ويخلصهم منه . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . يعني تعالى ذكره بذلك : إنك يا رب أنت العزيز القوي الذي لا يعجزه شيء أراده ، فافعل بنا وبذريتنا ما سألناه وطلبناه منك . والحكيم : الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل ، فأعطنا ما ينفعنا وينفع ذريتنا ، ولا ينقصك ولا ينقص خزائنك . القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ يعني تعالى ذكره بقوله : وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ وأي الناس يزهد في ملة إبراهيم ويتركها رغبة عنها إلى غيرها . وإنما عنى الله بذلك اليهود والنصارى لاختيارهم ما اختاروا من اليهودية والنصرانية على الإِسلام ؛ لأَن ملة إبراهيم هي الحنيفية المسلمة ، كما قال تعالى ذكره : ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً فقال تعالى ذكره لهم : ومن يزهد عن ملة إبراهيم الحنيفية المسلمة إلا من صفه نفسه . كما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ رغب عن ملته اليهود والنصارى ، واتخذوا اليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله ، وتركوا ملة إبراهيم يعني الإِسلام حنيفا ، كذلك بعث الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بملة إبراهيم . حدثنا عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع في قوله : وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ قال : رغبت اليهود والنصارى عن ملة إبراهيم وابتدعوا اليهودية والنصرانية وليست من الله ، وتركوا ملة إبراهيم الإِسلام . القول في تأويل قوله تعالى : إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ . يعني تعالى ذكره بقوله : إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ إلا من سفهت نفسه ، وقد بينا فيما مضى أن معنى السفه : الجهل . فمعنى الكلام : وما يرغب عن ملة إبراهيم الحنيفية إلا سفيه جاهل بموضع حظ نفسه