محمد بن جرير الطبري

431

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أين البيت ، فبعث الله ريحا يقال لها ريح الخجوج ، لها جناحان ورأس في صورة حية . فكنست لهما ما حول الكعبة ، وعن أساس البيت الأَول ، واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأَساس ؛ فذلك حين يقول : وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ . فلما بنيا القواعد فبلغا مكان الركن قال إبراهيم لإِسماعيل : يا بني أطلب لي حجرا حسنا أضعه هاهنا قال : يا أبت إني كسلان تعب قال : علي بذلك فانطلق فطلب له حجرا فجاءه بحجر ، فلم يرضه ، فقال : ائتني بحجر أحسن من هذا فانطلق فطلب له حجرا ؛ وجاءه جبريل بالحجر الأَسود من الهند ، وكان أبيض ياقوتة بيضاء مثل الثغامة ، وكان آدم هبط به من الجنة فأسود من خطايا الناس ، فجاءه إسماعيل بحجر فوجده عند الركن ، فقال : يا أبت من جاء بهذا ؟ فقال : من هو أنشط منك . فبنياه . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن عمرو بن عبد الله بن عتبة ، عن عبيد بن عمير الليثي ، قال : بلغني أن إبراهيم وإسماعيل هما رفعا قواعد البيت . وقال آخرون : بل رفع قواعد البيت إبراهيم ، وكان إسماعيل يناوله الحجارة . ذكر من قال ذلك : حدثنا أحمد بن ثابت الرازي ، قال : ثنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن أيوب ، وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة ، يزيد أحدهما على الآخر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : جاء إبراهيم وإسماعيل يبري نبلا قريبا من زمزم . فلما رآه قام إليه ، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد ، والولد بالوالد ، ثم قال : يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر ، قال : فاصنع ما أمرك ربك قال : وتعينني ؟ قال : وأعينك . قال : فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتا وأشار إلى الكعبة ، والكعبة مرتفعة على ما حولها . قال : فعند ذلك رفعا القواعد من البيت . قال : فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة ، وإبراهيم يبني ، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له ، فقام عليه وهو يبني ، وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان : رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ حتى دور حول البيت . حدثنا ابن بشار القزاز ، قال : ثنا عبيد الله بن عبد المجيد أبو علي الحنفي ، قال : ثنا إبراهيم بن نافع قال : سمعت كثير بن كثير يحدث عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : جاء يعني إبراهيم فوجد إسماعيل يصلح نبلا من وراء زمزم ، قال إبراهيم : يا إسماعيل إن الله ربك قد أمرني أن أبني له بيتا البيت فقال له إسماعيل : فأطلع ربك فيما أمرك فقال له إبراهيم : قد أمرك أن تعينني عليه . قال : إذا أفعل . قال : فقام معه ، فجعل إبراهيم يبنيه وإسماعيل يناوله الحجارة ، ويقولان : رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ فلما ارتفع البنيان وضعف الشيخ عن رفع الحجارة ، قام على حجر فهو مقام إبراهيم ؛ فجعل يناوله ويقولان : رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . وقال آخرون : بل الذي رفع قواعد البيت إبراهيم وحده وإسماعيل يومئذ طفل صغير . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى ، قالا : ثنا مؤمل ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن حارثة بن مصرف ، عن علي ، قال : لما أمر إبراهيم ببناء البيت ، خرج معه إسماعيل وهاجر . قال : فلما قدم مكة رأى على رأسه في موضع البيت مثل الغمامة فيه مثل الرأس ، فكلمه فقال : يا إبراهيم ابن علي ظلي أو على قدري ولا تزد ولا تنقص فلما بنى خرج وخلف إسماعيل وهاجر ، فقالت هاجر : يا إبراهيم إلى من تكلنا ؟ قال : إلى الله . قالت : انطلق فإنه لا يضيعنا . قال : فعطش إسماعيل عطشا شديدا . قال : فصعدت هاجر الصفا فنظرت فلم تر شيئا ، ثم أتت المروة فنظرت فلم تر شيئا ، ثم رجعت إلى الصفا فنظرت فلم تر شيئا ، حتى فعلت ذلك سبع مرات فقالت : يا إسماعيل مت حيث لا أراك فأتته وهو يفحص برجله من العطش . فناداها جبريل ، فقال لها : من أنت ؟ فقالت : أنا هاجر أم ولد إبراهيم . قال : إلى من وكلكما ؟ قالت : وكلنا إلى الله . قال : وكلكما إلى كاف . قال : ففحص الأَرض بأصبعه فنبعت زمزم ، فجعلت تحبس الماء . فقال : دعيه فإنها رواء . حدثنا عباده ، قال : ثنا أبو الأَحوص ، عن سماك ، عن خالد بن عرعرة : أن رجلا قام إلى علي فقال : ألا تخبرني عن البيت ؟ أهو أول بيت وضع في الأَرض ؟ فقال :