محمد بن جرير الطبري

430

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت ، فأشار لهما إلى البيت ، وهو ربوة حمراء مدرة ، فقال لهما : هذا أول بيت وضع في الأَرض ، وهو بيت الله العتيق ، واعلمي أن إبراهيم وإسماعيل هما يرفعانه . فالله أعلم . حدثني الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا هشام بن حسان ، قال : أخبرني حميد ، عن مجاهد ، قال : خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئا من الأَرض بألفي سنة ، وأركانه في الأَرض السابعة . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا ابن عيينة ، قال : أخبرني بشر بن عاصم ، عن ابن المسيب ، قال : حدثنا كعب أن البيت كان غثاءة على الماء قبل أن يخلق الله الأَرض بأربعين سنة ، ومنه دحيت الأَرض . قال : وحدثنا عن علي بن أبي طالب أن إبراهيم أقبل من أرمينية معه السكينة ، تدله على تبوئ البيت كما تتبوا العنكبوت بيتها . قال : فرفعت عن أحجار تطيقه أو لا تطيقه ثلاثون رجلا . قال : قلت يا أبا محمد ، فإن الله يقول : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ قال : كان ذاك بعد . والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن الله تعالى ذكره أخبر عن إبراهيم خليله أنه وابنه إسماعيل رفعا القواعد من البيت الحرام . وجائز أن يكون ذلك قواعد بيت كان أهبطه مع آدم ، فجعله مكان البيت الحرام الذي بمكة . وجائز أن يكون ذلك كان القبة التي ذكرها عطاء مما أنشأه الله من زبد الماء . وجائز أن يكون كان ياقوتة أو درة أهبطا من السماء . وجائز أن يكون كان آدم بناه ثم انهدم حتى رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل . ولا علم عندنا بأي ذلك كان من أي ؛ لأَن حقيقة ذلك لا تدرك إلا بخبر عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم بالنقل المستفيض ، ولا خبر بذلك تقوم به الحجة فيجب التسليم لها ، ولا هو إذ لم يكن به خبر على ما وصفنا مما يدل عليه بالاستدلال والمقاييس فيمثل بغيره ، ويستنبط علمه من جهة الاجتهاد ، فلا قول في ذلك هو أولى بالصواب ما قلنا . والله تعالى أعلم . القول في تأويل قوله تعالى : رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا . يعني تعالى ذكره بذلك : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل يقولان : ربنا تقبل منا وذكر أن ذلك كذلك في قراءة ابن مسعود ، وهو قول جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : يبنيان وهما يدعوان الكلمات التي ابتلى بها إبراهيم ربه ، قال : رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج عن ابن جريج ، قال : أخبرني ابن كثير ، قال : ثنا سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ قال : هما يرفعان القواعد من البيت ، ويقولان : رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ قال : وإسماعيل يحمل الحجارة على رقبته والشيخ يبني . فتأويل الآية على هذا القول وَإِسْماعِيلُ يقولان : رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل قائلين : ربنا تقبل منا . وقال آخرون : بل قائل ذلك كان إسماعيل . فتأويل الآية على هذا القول بل قائل ذلك كان إسماعيل : وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ، وإذ يقول إسماعيل : ربنا تقبل منا . فيصير حينئذ إسماعيل مرفوعا بالجملة التي بعده ، و " يقول " حينئذ خبر له دون إبراهيم . ثم أختلف أهل التأويل في الذي رفع القواعد بعد إجماعهم على أن إبراهيم كان ممن رفعها ، فقال بعضهم : رفعها إبراهيم وإسماعيل جميعا . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ قال : فانطلق إبراهيم حتى أتى مكة ، فقام هو وإسماعيل وأخذا المعاول لا يدريان