محمد بن جرير الطبري

429

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

حسان ، عن سوار ، عن عطاء بن أبي رباح ، قال : لما أهبط الله آدم من الجنة كان رجلاه في الأَرض ورأسه في السماء ، يسمع كلام أهل السماء ودعاءهم ، يأنس إليهم ، فهابته الملائكة حتى شكت إلى الله في دعائها وفي صلاتها ، فخفضه إلى الأَرض ؛ فلما فقد ما كان يسمع منهم ، استوحش حتى شكا ذلك إلى الله في دعائه وفي صلاته ، فوجه إلى مكة ، فكان موضع قدمه قرية وخطوه مفازة ، حتى انتهى إلى مكة . وأنزل الله ياقوتة من ياقوت الجنة ، فكانت على موضع البيت الآن ، فلم يزل يطوف به حتى أنزل الله الطوفان ، فرفعت تلك الياقوتة ، حتى بعث الله إبراهيم فبناه ، فذلك قول الله : وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ . حدثني الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، قال : وضع الله البيت مع آدم حين أهبط الله آدم إلى الأَرض ، وكان مهبطه بأرض الهند ، وكان رأسه في السماء ورجلاه في الأَرض ، فكانت الملائكة تهابه ، فنقص إلى ستين ذراعا . فحزن آدم إذ فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم فشكا ذلك إلى الله تعالى فقال الله : يا آدم إني قد اهبت إليك بيتا تطوف به كما يطاف حول عرشي ، وتصلي عنده كما يصلى عند عرشي . فانطلق إليه آدم فخرج ، ومد له في خطوة ، فكان بين كل خطوتين مفازة ، فلم تزل تلك المفاوز بعد ذلك ، فأتى آدم البيت وطاف به ومن بعده من الأَنبياء . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن أبان : أن البيت أهبط ياقوتة واحدة أو درة واحدة ، حتى إذا أغرق الله قوم نوح رفعه وبقي أساسه ، فبوأه الله لإِبراهيم ، فبناه بعد ذلك به . وقال آخرون : بل كان موضع البيت ربوه حمراء كهيئة القبة . وذلك أن الله لما أراد خلق الأَرض علا الماء زبدة حمراء أو بيضاء ، وذلك في موضع البيت الحرام . ثم دحا الأَرض من تحتها ، فلم يزل ذلك كذلك حتى بوأه الله إبراهيم ، فبناه على أساسه . وقالوا : على أركان أربعة في الأَرض السابعة . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال جرير بن حازم ، حدثني حميد بن قيس ، عن مجاهد ، قال : كان موضع البيت على الماء قبل أن يخلق الله السماوات والأَرض ، مثل الزبدة البيضاء ، ومن تحته دحيت الأَرض . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال ، أخبرنا ابن جريج ، قال : قال عطاء وعمرو بن دينار : بعث الله رياحا فصفقت الماء ، فأبرزت في موضع البيت عن حشفة كأنها القبة ، فهذا البيت منها فلذلك هي أم القرى . قال ابن جريج : قال عطاء : ثم وتدها بالجبال كي لا تكفأ بميد ، فكان أول جبل " أبو قبيس " . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب القمي ، عن حفص بن حميد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : وضع البيت على أركان الماء على أربعة أركان قبل أن تخلق الدنيا بألفي عام ، ثم دحيت الأَرض من تحت البيت . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يعقوب ، عن هارون بن عنتره ، عن عطاء بن أبي رباح ، قال : وجدوا بمكة حجرا مكتوبا عليه : " إني أنا الله ذو بكة بنيته البيت يوم صنعت الشمس والقمر ، وحففته بسبعة أملاك حفا " . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : حدثني عبد الله بن أبي يحيى ، عن مجاهد وغيره من أهل العلم : أن الله لما بوأ إبراهيم مكان البيت ، خرج إليه من الشام ، وخرج معه بإسماعيل وأمه هاجر ، وإسماعيل طفل صغير يرضع ، وحملوا فيما حدثني على البراق ومعه جبريل يدله على موضع البيت ومعالم الحرم . فخرج وخرج معه جبريل ، فقال : كان لا يمر بقرية إلا قال : أبهذه أمرت يا جبريل ؟ فيقول جبريل : امضه حتى قدم به مكة ، وهي إذ ذاك عضاه سلم وسمر يربها أناس يقال لهم العماليق خارج مكة وما حولها ، والبيت يومئذ ربوة حمراء مدرة ، فقال إبراهيم لجبريل : أهاهنا أمرت أن أضعهما ؟ قال : نعم فعمد بهما إلى موضع الحجر فأنزلهما فيه ، وأمر هاجر أم إسماعيل أن تتخذ فيه عريشا ، فقال : رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ إلى قوله : لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ . قال ابن حميد : قال سلمة : قال ابن إسحاق : ويزعمون والله أعلم أن ملكا من الملائكة أتى هاجر أم إسماعيل ، حين أنزلهما إبراهيم مكة قبل أن يرفع