محمد بن جرير الطبري
428
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ذلك كذلك ؛ لأَن الله تعالى ذكره إنما قال ذلك لإِبراهيم جوابا لمسألته ما سأل من رزق الثمرات لمؤمني أهل مكة ، فكان معلوما بذلك أن الجواب إنما هو فيما سأله إبراهيم لا في غيره . وبالذي قلنا في ذلك قال مجاهد ، وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه . وقال بعضهم : تأويله : فأمتعه بالبقاء في الدنيا . وقال غيره : فأمتعه قليلا في كفره ما أقام بمكة ، حتى أبعث محمدا صلى الله عليه وسلم فيقتله إن أقام على كفره أو يجليه عنها . وذلك وإن كان وجها يحتمله الكلام فإن دليل ظاهر الكلام على خلافه لما وصفنا . القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ . يعنى تعالى ذكره بقوله : ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ ثم أدفعه إلى عذاب النار وأسوقه إليها ، كما قال تعالى ذكره : يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ومعنى الاضطرار : الإِكراه ، يقال : اضطررت فلانا إلى هذا الأَمر : إذا ألجأته إليه وحملته عليه . فذلك معنى قوله : ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ أدفعه إليها ، وأسوقه سحبا وجرا على وجهه . القول في تأويل قوله تعالى : وَبِئْسَ الْمَصِيرُ . قد دللنا على أن " بئس " أصله " بئس " من البؤس ، سكن ثانيه ونقلت حركة ثانية إلى أوله ، كما قيل للكبد كبد ، وما أشبه ذلك . ومعنى الكلام : وساء المصير عذاب النار ، بعد الذي كانوا فيه من متاع الدنيا الذي متعتهم فيها . وأما المصير فإنه مفعل من قول القائل : صرت مصيرا صالحا ، وهو الموضع الذي يصير إليه الكافر بالله من عذاب النار . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ يعني تعالى ذكره بقوله : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ واذكروا إذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت . والقواعد جمع قاعدة ، يقال للواحدة من قواعد البيت قاعدة ، وللواحدة من قواعد النساء وعجائزهن قاعد ، فتلغى هاء التأنيث ؛ لأَنها فاعل من قول القائل : قعدت عن الحيض ، ولاحظ فيه للذكورة ، كما يقال : امرأة طاهر وطامث ؛ لأَنه لاحظ في ذلك للذكور . ولو عنى به القعود الذي هو خلاف القيام لقيل قاعدة ، ولم يجز حينئذ إسقاط هاء التأنيث . وقواعد البيت : أساسه . ثم اختلف أهل التأويل في القواعد التي رفعها إبراهيم وإسماعيل من البيت ، أهما أحدثا ذلك ، أم هي قواعد كانت له قبلهما ؟ فقال قوم : هي قواعد بيت كان بناه البيت آدم أبو البشر بأمر الله إياه بذلك ، ثم درس مكانه وتعفى أثره بعده حتى بوأه الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، فبناه . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا ابن جريج ، عن عطاء ، قال : قال آدم : يا رب إني لا أسمع أصوات الملائكة قال : بخطيئتك ، ولكن اهبط إلى الأَرض وابن لي بيتا ، ثم احفف به كما رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماء . فيزعم الناس أنه بناه البيت من خمسة أجبل : من حراء ، وطور زيتا ، وطور سينا ، وجبل لبنان ، والجودي ، وكان ربضه من حراء ؛ فكان هذا بناء آدم حتى بناه إبراهيم بعد . حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن أيوب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ قال : القواعد التي كانت قواعد البيت قبل ذلك . وقال آخرون : بل هي قواعد بيت كان الله أهبطه لآدم من السماء إلى الأَرض ، يطوف به البيت كما كان يطوف بعرشه في السماء ، ثم رفعه إلى السماء أيام الطوفان ، فرفع إبراهيم قواعد ذلك البيت . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الوهاب ، قال : ثنا أيوب ، عن أبي قلابة ، عن عبد الله بن عمرو قال : لما أهبط الله آدم من الجنة قال : إني مهبط معك أو منزل معك بيتا البيت طاف حوله ، كما يطاف حول عرشي ، ويصلى عنده ، كما يصلى عند عرشي . فلما كان زمن الطوفان رفع ، فكانت الأَنبياء يحجونه ولا يعلمون مكانه ، حتى بوأه الله إبراهيم وأعلمه مكانه ، فبناه من خمسة أجبل : من حراء ، وثبير ، ولبنان ، وجبل الطور ، وجبل الخمر . حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا إسماعيل بن علية ، قال : ثنا أيوب ، عن أبي قلابة ، قال : لما أهبط آدم ، ثم ذكر نحوه . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا هشام بن