محمد بن جرير الطبري
427
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ذلك . القول في تأويل قوله تعالى : وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ . وهذه مسألة من إبراهيم ربه أن يرزق مؤمني أهل مكة من الثمرات دون كافريهم . وخص ، بمسألة ذلك للمؤمنين دون الكافرين لما أعلمه الله عند مسألته إياه أن يجعل من ذريته أئمة يقتدى بهم أن منهم الكافر الذي لا ينال عهده ، والظالم الذي لا يدرك ولايته . فلما أن علم أن من ذريته الظالم والكافر ، خص بمسألته ربه أن يرزق من الثمرات من سكان مكة المؤمن منهم دون الكافر ، وقال الله له : إني قد أجبت دعاءك ، وسأرزق مع مؤمني أهل هذا البلد كافرهم ، فأمتعه به قليلا . وأما " من " في قوله : مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فإنه نصب على الترجمة ، والبيان عن الأَهل ، كما قال تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ بمعنى : يسألونك عن قتال في الشهر الحرام ، وكما قال تعالى ذكره : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا بمعنى : ولله حج البيت على من استطاع إليه سبيلا . وإنما سأل إبراهيم ربه ما سأل من ذلك ؛ لأَنه حل بواد غير ذي زرع ولا ماء ولا أهل ، فسأل أن يرزق أهله ثمرا ، وأن يجعل أفئدة الناس تهوي إليهم ، فذكر أن إبراهيم لما سأل ذلك ربه نقل الله الطائف من فلسطين . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق بن الحجاج ، قال : ثنا هشام ، قال : قرأت على محمد بن مسلم أن إبراهيم لما دعا للحرم وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ نقل الله الطائف من فلسطين . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا . اختلف أهل التأويل في قائل هذا القول وفي وجه قراءته ، فقال بعضهم : قائل هذا القول ربنا تعالى ذكره ، وتأويله على قولهم : قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا برزقي من الثمرات في الدنيا إلى أن يأتيه أجله . وقرأ قائل هذه المقالة ذلك : فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا بتشديد التاء ورفع العين . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، قال : حدثني أبو العالية ، عن أبي بن كعب في قوله : وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ قال : هو قول الرب تعالى ذكره . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : قال ابن إسحاق : لما قال إبراهيم : رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وعدل الدعوة عمن أبى الله أن يجعل له الولاية ، انقطاعا إلى الله ومحبة وفراقا لمن خالف أمره ، وإن كانوا من ذريته حين عرف أنه كان منهم ظالم لا ينال عهده ، بخبره عن ذلك حين أخبره فقال الله : وَمَنْ كَفَرَ فإني أرزق البر والفاجر فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا . وقال آخرون : بل قال ذلك إبراهيم خليل الرحمن على وجه المسألة منه ربه أن يرزق الكافر أيضا من الثمرات بالبلد الحرام ، مثل الذي يرزق به المؤمن ويمتعه بذلك قليلا ، ثم اضطره إلى عذاب النار بتخفيف " التاء " وجزم " العين " وفتح " الراء " من اضطره ، وفصل ثم اضطره بغير قطع ألفها ، على وجه الدعاء من إبراهيم ربه لهم والمسألة . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، قال : قال أبو العالية : كان ابن عباس يقول : ذلك قول إبراهيم يسأل ربه أن من كفر فأمتعه قليلا . حدثنا المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن ليث ، عن مجاهد : وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا يقول : ومن كفر فأرزقه أيضا ثم اضطره إلى عذاب النار . والصواب من القراءة عندنا والتأويل ، ما قاله أبي بن كعب وقراءته فأمتعه بتشديد التاء ورفع العين ، لقيام الحجة بالنقل المستفيض دراية بتصويب ذلك ، وشذوذ ما خالفه من القراءة . وغير جائز الاعتراض بمن كان جائزا عليه في نقله الخطأ والسهو ، على من كان ذلك غير جائز عليه في نقله . وإذ كان ذلك كذلك ، فتأويل الآية : قال الله : يا إبراهيم قد أجبت دعوتك ، ورزقت مؤمني أهل هذا البلد من الثمرات وكفارهم متاعا لهم إلى بلوغ آجالهم ، ثم اضطر كفارهم بعد ذلك إلى النار . وأما قوله : فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا يعني : فأحمل ما أرزقه من ذلك في حياته متاعا يتمتع به إلى وقت مماته . وإنما قلنا إن