محمد بن جرير الطبري
425
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
حدثنا وكيع ، عن أبي بكر الهذلي ، عن عطاء : وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ قال : إذا كان يصلي فهو من الركع السجود . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ أهل الصلاة . وقد بينا فيما مضى بيان معنى الركوع والسجود ، فأغنى ذلك عن إعادته هاهنا . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً يعني تعالى ذكره بقوله : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً واذكروا إذ قال إبراهيم : رب اجعل هذا البلد بلدا آمنا ، يعني بقوله : آمِناً : آمنا من الجبابرة وغيرهم أن يسلطوا عليه ، ومن عقوبة الله أن تناله ، كما تنال سائر البلدان ، من خسف ، وائتفاك ، وغرق ، وغير ذلك من سخط الله ومثلاته التي تصيب سائر البلاد غيره . كما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : ذكر لنا أن الحرم حرم بحياله إلى العرش ، وذكر لنا أن البيت هبط مع آدم حين هبط ، قال الله له : أهبط معك بيتي يطاف حوله كما يطاف حول عرشي فطاف حوله آدم ومن كان بعده من المؤمنين ، حتى إذا كان زمان الطوفان حين أغرق الله قوم نوح رفعه وطهره ولم تصبه عقوبة أهل الأَرض ، فتتبع منه إبراهيم أثرا فبناه على أساس قديم كان قبله . فإن قال لنا قائل : أو ما كان الحرم آمنا إلا بعد أن سأل إبراهيم ربه له الأَمان ؟ قيل له : لقد اختلف في ذلك ، فقال بعضهم : لم يزل الحرم آمنا من عقوبة الله وعقوبة جبابرة خلقه ، منذ خلقت السماوات والأَرض . واعتلوا في ذلك بما : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق ، قال : حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري ، قال : سمعت أبا شريح الخزاعي يقول : لما افتتحت مكة قتلت خزاعة رجلا من هذيل ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا فقال : " يا أيها الناس إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأَرض ، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ؛ لا يحل لا مرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ، أو يعضد بها شجرا . ألا وأنها لا تحل لأَحد بعدي ولم تحل لي إلا هذه الساعة غضبا علي أهلها . ألا فهي قد رجعت على حالها بالأَمس . ألا ليبلغ الشاهد الغائب ، فمن قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل بها ، فقولوا : إن الله قد أحلها لرسوله ولم يحلها لك " . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا عبد الرحيم بن سليمان ، وحدثنا ابن حميد وابن وكيع ، قالا : ثنا جرير جميعا ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكة حين افتتحها : " هذه حرم حرمه الله يوم خلق السماوات والأَرض وخلق الشمس والقمر ووضع هذين الأَخشبين ، لم تحل لأَحد قبلي ، ولا تحل لأَحد بعدي ، أحلت لي ساعة من نهار " . قالوا : فمكة منذ خلقت حرم آمن من عقوبة الله وعقوبة الجبابرة . قالوا : وقد أخبرت عن صحة ما قلنا من ذلك الرواية الثانية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ذكرناها . قالوا : ولم يسأل إبراهيم ربه أن يؤمنه من عقوبته وعقوبة الجبابرة ، ولكنه سأله أن يؤمن أهله من الجدوب والقحوط ، وأن يرزق ساكنه من الثمرات ، كما أخبر ربه عنه أنه سأله بقوله : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ . قالوا : وإنما سأل ربه ذلك ، لأَنه أسكن فيه ذريته ، وهو غير ذي زرع ولا ضرع ، فاستعاذ ربه من أن يهلكهم بها جوعا وعطشا ، فسأله أن يؤمنهم مما حذر عليهم منه . قالوا : وكيف يجوز أن يكون إبراهيم سأل ربه تحريم الحرم ، وإن يؤمنه من عقوبته وعقوبة جبابرة خلقه ، وهو القائل حين حله ، ونزله بأهله وولده : رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ؟ قالوا : فلو كان إبراهيم هو الذي حرم الحرم أو سأل ربه تحريمه لما قال : بيتك المحرم عند نزوله به ، ولكنه حرم قبله ، وحرم بعده . وقال آخرون : كان الحرم حلالا قبل دعوة إبراهيم كسائر البلاد غيره ، وإنما صار حراما بتحريم إبراهيم إياه ، كما كانت مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم حلالا قبل تحريم رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها . قالوا : والدليل على