محمد بن جرير الطبري

419

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قال : حدثني حجاج ، عن سفيان ، عن هارون بن عنترة ، عن أبيه عنترة ، عن ابن عباس ، قال : ليس لظالم عهد . وقال آخرون : معنى العهد في هذا الموضع : الأَمان . فتأويل الكلام على معنى قولهم معنى العهد في هذا الموضع : الأَمان ، قال الله : لا ينال أماني أعدائي ، وأهل الظلم لعبادي ؛ أي لا أؤمنهم من عذابي في الآخرة . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ذلكم عند الله يوم القيامة لا ينال عهده ظالم ، فأما في الدنيا فقد نالوا عهد الله ، فوارثو به المسلمين وعادوهم وناكحوهم به ، فلما كان يوم القيامة قصر الله عهده وكرامته على أوليائه . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ قال : لا ينال عهد الله في الآخرة الظالمون ، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم وأكل به وعاش . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الرحمن ، عن إسرائيل ، عن منصور ، عن إبراهيم : قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ قال : لا ينال عهد الله في الآخرة الظالمون ، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم فأمن به وأكل وأبصر وعاش . وقال آخرون : بل العهد الذي ذكره الله في هذا الموضع : دين الله . ذكر من قال ذلك : حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، قال : قال الله لإِبراهيم : لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ فقال : فعهد الله الذي عهد إلى عباده : دينه . يقول : لا ينال دينه الظالمين ، ألا ترى أنه قال : وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ يقول : ليس كل ذريتك يا إبراهيم على الحق . حدثني يحيى بن جعفر ، قال : أخبرنا يزيد ، قال : أخبرنا جويبر ، عن الضحاك في قوله : لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ قال : لا ينال عهدي عدو لي يعصيني ، ولا أنحلها إلا وليا يطيعني . وهذا الكلام وإن كان ظاهره ظاهر خبر عن أنه لا ينال من ولد إبراهيم صلوات الله عليه عهد الله الذي هو النبوة والإِمامة لأَهل الخير ، بمعنى الاقتداء به في الدنيا ، والعهد الذي بالوفاء به ينجو في الآخرة ، من وفى لله به في الدنيا ، من كان منهم ظالما متعديا جائرا عن قصد سبيل الحق . فهو إعلام من الله تعالى ذكره لإِبراهيم أن من ولده من يشرك به ، ويجوز عن قصد السبيل ، ويظلم نفسه وعباده . كالذي : حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد ، قال : ثنا عتاب بن بشر ، عن خصيف ، عن مجاهد في قوله : لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ قال : إنه سيكون في ذريتك ظالمون . وأما نصب الظالمين ، فلأَن العهد هو الذي لا ينال الظالمين . وذكر أنه في قراءة ابن مسعود : " لا ينال عهدي الظالمون " بمعنى أن الظالمين هم الذين لا ينالون عهد الله . وإنما جاز الرفع في الظالمين والنصب ، وكذلك في العهد ؛ لأَن كل ما نال المرء فقد ناله المرء ، كما يقال : نالني خير فلان ونلت خيره ، فيوجه الفعل مرة إلى الخير ومرة إلى نفسه . وقد بينا معنى الظلم فيما مضى فكرهنا إعادته . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ أما قوله : وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً فإنه عطف ب " إذ " على قوله : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ . وقوله : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ معطوف على قوله : يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ واذكروا إذا ابتلى إبراهيم ربه ، وإذ جعلنا البيت مثابة . والبيت الذي جعله الله مثابة للناس هو البيت الحرام . وأما المثابة فإن أهل العربية مختلفون في معناها ، والسبب الذي من أجله أنثت ؛ فقال بعض نحويي البصرة : ألحقت الهاء في المثابة لما كثر من يثوب إليه ، كما يقال سيارة لمن يكثر ذلك ونسابة . وقال بعض نحويي الكوفة : بل المثاب والمثابة بمعنى واحد ، نظيرة المقام والمقامة ذكر على قوله لأَنه يريد به الموضع الذي يقام فيه ، وأنثت المقامة لأَنه أريد بها البقعة . وأنكر هؤلاء أن تكون المثابة كالسيارة والنسابة ، وقالوا : إنما أدخلت الهاء في السيارة والنسابة تشبيها لها بالداعية ؛ والمثابة مفعلة من ثاب القوم إلى الموضع : إذا رجعوا إليهم فهم يثوبون إليه مثابا ومثابة وثوابا . فمعنى قوله : وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وإذ جعلنا البيت مرجعا للناس ومعاذا يأتونه كل عام ويرجعون إليه ، فلا