محمد بن جرير الطبري

417

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

بعضه ؛ لأَن إبراهيم صلوات الله عليه قد كان امتحن فيما بلغنا بكل ذلك ، فعمل به وقام فيه بطاعة الله وأمره الواجب عليه فيه . وإذ كان ذلك كذلك ، فغير جائز لأَحد أن يقول : عنى الله بالكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم شيئا من ذلك بعينه دون شيء ، ولا عنى به كل ذلك إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو إجماع من الحجة ؛ ولم يصح فيه شيء من ذلك خبر عن الرسول بنقل الواحد ، ولا بنقل الجماعة التي يجب التسليم لما نقلته . غير أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في نظير معنى ذلك خبران لو ثبتا ، أو أحدهما ، كان القول به في تأويل ذلك هو الصواب . أحدهما ما : حدثنا به أبو كريب ، قال : ثنا راشد بن سعد ، قال : حدثني ريان بن فائد ، عن سهل بن معاذ بن أنس ، عن أبيه أنس ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفى ؟ لأَنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى : فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ حتى يختم الآية " . والآخر منهما ما : حدثنا به أبو كريب ، قال : ثنا الحسن بن عطية . قال : ثنا إسرائيل ، عن جعفر بن الزبير ، عن القاسم ، عن أبي أمامة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى قال : " أتدرون ما وفى " ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : " وفي عمل يومه أربع ركعات في النهار " . فلو كان خبر سهل بن معاذ عن أبيه معاذ صحيحا سنده . كان بينا أن الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم فقام بهن هو قوله كلما أصبح وأمسى : فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ . أو كان خبر أبي أمامة عدولا نقلته ، كان معلوما أن الكلمات التي أو حين إلى إبراهيم فابتلي بالعمل بهن أن يصلي كل يوم أربع ركعات . غير أنهما خبران في أسانيدهما نظر . والصواب من القول في معنى الكلمات التي أخبر الله أنه ابتلي بهن إبراهيم ما بينا آنفا . ولو قال قائل في ذلك : إن الذي قاله مجاهد وأبو صالح والربيع بن أنس أولى بالصواب من القول الذي قاله غيرهم ؛ كان مذهبا ، لأَن قوله : إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً وقوله : وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وسائر الآيات التي هي نظير ذلك كالبيان عن الكلمات التي ذكر الله أنه ابتلي بهن إبراهيم . القول في تأويل قوله تعالى : فَأَتَمَّهُنَّ . يعني جل ثناؤه بقوله : فَأَتَمَّهُنَّ فأتم إبراهيم الكلمات ، وإتمامه إياهن إكماله إياهن بالقيام لله بما أوجب عليه فيهن وهو الوفاء الذي قال الله جل ثناؤه : وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى يعني وفى بما عهد إليه بالكلمات ، فأمره به من فرائضه ومحنه فيها . كما : حدثني محمد بن المثنى ، قال : ثنا عبد الأَعلى ، قال : ثنا داود ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : فَأَتَمَّهُنَّ أي فأداهن . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : فَأَتَمَّهُنَّ أي عمل بهن ، فأتمهن . حدثت عن عمار ، قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : فَأَتَمَّهُنَّ أي عمل بهن فأتمهن . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً . يعني جل ثناؤه بقوله : إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً فقال الله : يا إبراهيم إني مصيرك للناس إماما يؤتم به ويقتدى به . كما : حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً ليؤتم به ، ويقتدى به ؛ يقال منه ليؤتم به ، ويقتدى به : إمام أممت القوم فأنا أؤمهم أما وإمامة إذا كنت إمامهم . وإنما أراد جل ثناؤه بقوله لإِبراهيم : إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً إني مصيرك تؤم من بعدك من أهل الإِيمان بي وبرسلي ، فتقدمهم أنت ، ويتبعون هديك ، ويستنون بسنتك التي تعمل بها بأمري إياك ووحيي إليك . القول في تأويل قوله تعالى : قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي . يعني جل ثناؤه بذلك ، قال إبراهيم لما رفع الله منزلته وكرمه ، فأعلمه ما هو صانع به من تصييره إماما في الخيرات لمن في عصره ولمن جاء بعده من ذريته وسائر الناس غيرهم يهتدي بهديه ويقتدي بأفعاله وأخلاقه : يا رب ومن ذريتي فاجعل أئمة يقتدي بهم كالذي