محمد بن جرير الطبري

414

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عظة من الله تعالى ذكره لليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتذكير منه لهم ما سلف من أياديه إليهم في صنعه بأوائلهم استعطافا منه لهم على دينه ، وتصديق رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فقال : يا بني إسرائيل اذكروا أيادي لديكم ، وصنائعي عندكم ، واستنفاذي إياكم من أيدي عدوكم فرعون وقومه ، وإنزالي عليكم المن والسلوى في تيهكم ، وتمكيني لكم في البلاد ، بعد أن كنتم مذللين مقهورين ، واختصاصي الرسل منكم ، وتفضيلي إياكم على عالم من كنت بين ظهرانيه ، أيام أنتم في طاعتي ؛ باتباع رسولي إليكم ، وتصديقه وتصديق ما جاءكم به من عندي ، ودعوا التمادي في الضلال والغي . وقد ذكرنا فيما مضى النعم التي أنعم الله بها على بني إسرائيل ، والمعاني التي ذكرهم جل ثناءه من آلائه عندهم ، والعالم الذي فضلوا عليه فيما مضى قبل ، بالروايات والشواهد ، فكرهنا تطويل الكتاب بإعادته ، إذ كان المعنى في ذلك في هذا الموضع وهنا لك واحدا . القول في تأويل قوله تعالى : وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ وهذه الآية ترهيب من الله جل ثناؤه للذين سلفت عظته إياهم بما وعظهم به في الآية قبلها . يقول الله لهم : واتقوا يا معشر بني إسرائيل المبدلين كتابي وتنزيلي ، المحرفين تأويله عن وجهه ، المكذبين برسولي محمد صلى الله عليه وسلم ، عذاب يوم لا تقضي فيه نفس عن نفس شيئا ، ولا تغني عنها غناء ، أن تهلكوا على ما أنتم عليه من كفركم بي ، وتكذيبكم رسولي ، فتموتوا عليه ؛ فإنه يوم لا يقبل من نفس فيما لزمها فدية ، ولا يشفع فيما وجب عليها من حق لها شافع ، ولا هم ينصرهم ناصر من الله إذا انتقم منها بمعصيتها إياه . وقد مضى البيان عن كل معاني هذه الآية في نظيرتها قبل ، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ يعني جل ثناؤه بقوله : وَإِذِ ابْتَلى وإذا اختبر ، يقال منه : ابتليت فلانا أبتليه ابتلاء . ومنه قول الله عز وجل وَابْتَلُوا الْيَتامى يعني به : اختبروهم . وكان اختبار الله تعالى ذكره إبراهيم اختبارا بفرائض فرضها عليه ، وأمر أمره به ، وذلك هو الكلمات التي أوحاهن إليه وكلفه العمل بهن امتحانا منه له واختبارا . ثم اختلف أهل التأويل في صفة الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم نبيه وخليله صلوات الله عليه ، فقال بعضهم : هي شرائع الإِسلام ، وهي ثلاثون سهما . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا عبد الأَعلى ، قال : ثنا داود ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ قال : قال ابن عباس : لم يبتل أحد بهذا الدين فأقامه إلا إبراهيم ، ابتلاه الله بكلمات فأتمهن ؛ قال : فكتب الله له البراءة ، فقال : وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى قال : عشر منها في الأَحزاب ، وعشر منها في براءة ، وعشر منها في المؤمنين ؛ وسأل سائل . وقال : إن هذا الإِسلام ثلاثون سهما . حدثنا إسحاق بن شاهين ، قال : ثنا خالد الطحان ، عن داود ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : ما ابتلي أحد بهذا الدين فقام به كله غير إبراهيم ؛ ابتلي بالإِسلام فأتمه ، فكتب الله له البراءة ، فقال : وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى فذكر عشرا في براءة ، فقال : التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ إلى آخر الآيات ، وعشرا في الأَحزاب : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ ، وعشرا في سورة المؤمنين ، إلى قوله : وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ ، وعشرا في سأل سائل : وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ . حدثنا عبيد الله بن أحمد بن شبرمة ، قال : ثنا علي بن الحسن ، قال : ثنا خارجة بن مصعب ، عن داود بن أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : الإِسلام ثلاثون سهما ، وما ابتلي بهذا الدين أحد فأقامه إلا إبراهيم ، قال الله وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى فكتب الله له براءة من النار . وقال آخرون : هي خصال عشر من سنن الإِسلام . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر عن ابن طاوس ، عن أبيه طاوس ، عن ابن عباس : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ قال : ابتلاه الله بالطهارة : خمس في الرأس ، وخمس في الجسد . في