محمد بن جرير الطبري

413

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ولا يكون الواحد المبعض معرفة . فأحالوا أن يقال : " مررت بالرجل حق الرجل ، ومررت بالرجل جد الرجل " ، كما أحالوا " مررت بالرجل أي الرجل " ، وأجازوا ذلك في " كل الرجل " و " عين الرجل " و " نفس الرجل " ، وقالوا : إنما أجزنا ذلك لأَن هذه الحروف كانت في الأَصل توكيدا ، فلما صرن مدوحا تركن مدوحا على أصولهن في المعرفة . وزعموا أن قوله : يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ إنما جازت إضافته إلى التلاوة ، وهي مضافة إلى معرفة ؛ لأَن العرب تعتد بالهاء إذا عادت إلى نكرة بالنكرة ، فيقولون : " مررت برجل واحد أمه ، ونسيج وحده ، وسيد قومه " . قالوا : فكذلك قوله : حَقَّ تِلاوَتِهِ إنما جازت إضافة " حق " إلى التلاوة وهي مضافة إلى " الهاء " ، لاعتداد العرب ب " الهاء " التي في نظائرها في عداد النكرات . قالوا : ولو كان ذلك حق التلاوة لوجب أن يكون جائزا : " مررت بالرجل حق الرجل " ، فعلى هذا القول تأويل الكلام : الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوة . وقال بعض نحويي البصرة : جائزة إضافة حق إلى النكرات مع النكرات ، ومع المعارف إلى المعارف ؛ وإنما ذلك نظير قول القائل : مررت بالرجل غلام الرجل ، وبرجل غلام رجل . فتأويل الآية على قول هؤلاء : الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته . وأولى ذلك بالصواب عندنا القول الأَول ؛ لأَن معنى قوله : حَقَّ تِلاوَتِهِ أي تلاوة ، بمعنى مدح التلاوة التي تلوها وتفضيلها . و " أي " غير جائزة إضافتها إلى واحد معرفة عند جميعهم ، وكذلك " حق " غير جائزة إضافتها إلى واحد معرفة ، وإنما أضيف في حق تلاوته إلى ما فيه الهاء لما وصفت من العلة التي تقدم بيانها . القول في تأويل قوله تعالى : أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ . قال أبو جعفر : يعني جل ثناءه بقوله : أُولئِكَ هؤلاء الذين أخبر عنهم أنهم يتلون ما آتاهم من الكتاب حق تلاوته . وأما قوله : يُؤْمِنُونَ فإنه يعني يصدقون به . والهاء التي في قوله " به " عائدة على الهاء التي في " تلاوته " ، وهما جميعا من ذكر الكتاب الذي قاله الله : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ فأخبر الله جل ثناؤه أن المؤمن بالتوراة هو المتبع ما فيها من حلالها وحرامها ، والعامل بما فيها من فرائض الله التي فرضها فيها على أهلها ، وأن أهلها الذين هم أهلها من كان ذلك صفته دون من كان محرفا لها مبدلا تأويلها مغيرا سننها تاركا ما فرض الله فيها عليه . وإنما وصف جل ثناؤه من وصف بما وصف به من متبعي التوراة ، وأثنى عليهم بما أثنى به عليهم ؛ لأَن في اتباعها اتباع محمد نبي الله صلى الله عليه وسلم وتصديقه ، لأَن التوراة تأمر أهلها بذلك وتخبرهم عن الله تعالى ذكره بنبوته وفرض طاعته على جميع خلق الله من بني آدم ، وإن في التكذيب بمحمد التكذيب لها . فأخبر جل ثناؤه أن متبعي التوراة هم المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وهم العاملون بما فيها . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ قال : من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم من بني إسرائيل ، وبالتوراة ، وأن الكافر بمحمد صلى الله عليه وسلم هو الكافر بها الخاسر ، كما قال جل ثناؤه : وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ . القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ . يعني جل ثناؤه بقوله : وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ ومن يكفر بالكتاب الذي أخبر أنه يتلوه من آتاه من المؤمنين حق تلاوته . ويعني بقوله جل ثناؤه : يَكْفُرْ يجحد ما فيه من فرائض الله ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وتصديقه ، ويبدله ، فيحرف تأويله ؛ أولئك هم الذين خسروا علمهم وعملهم فبخسوا أنفسهم حظوظها من رحمة الله واستبدلوا بها سخط الله وغضبه . وقال ابن زيد في قوله بما : حدثني به يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ قال : من كفر بالنبي صلى الله عليه وسلم من يهود ، فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ . القول في تأويل قوله تعالى : يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ وهذه الآية