محمد بن جرير الطبري
411
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ اختلف أهل التأويل في الذين عناهم الله جل ثناؤه بقوله : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ فقال بعضهم : هم المؤمنون برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبما جاء به من أصحابه . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة قوله : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ هؤلاء أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم ، آمنوا بكتاب الله وصدقوا به . وقال آخرون : بل عنى الله بذلك علماء بني إسرائيل الذين آمنوا بالله وصدقوا رسله ، فأقروا بحكم التوراة ، فعملوا بما أمر الله فيها من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم ، والإِيمان به ، والتصديق بما جاء به من عند الله . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ قال : من كفر بالنبي صلى الله عليه وسلم من يهود فأولئك هم الخاسرون . وهذا القول قال آخرون : بل عنى الله بذلك علماء بني إسرائيل أولى بالصواب من القول الذي قاله قتادة ؛ لأَن الآيات قبلها مضت بأخبار أهل الكتابين ، وتبديل من بدل منهم كتاب الله ، وتأولهم إياه على غير تأويله ، وادعائهم على الله الأَباطيل . ولم يجر لأَصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الآية التي قبلها ذكر ، فيكون قوله : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ موجها إلى الخبر عنهم ، ولا لهم بعدها ذكر في الآية التي تتلوها ، فيكون موجها ذلك إلى أنه خبر مبتدأ عن قصص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد انقضاء قصص غيرهم ، ولا جاء بأن ذلك خبر عنهم أثر يجب التسليم له . فإذا كان ذلك كذلك ، فالذي هو أولى بمعنى الآية أن يكون موجها إلى أنه خبر عمن قص الله جل ثناؤه في الآية قبلها والآية بعدها ، وهم أهل الكتابين : التوراة والإِنجيل . وإذا كان ذلك كذلك ، فتأويل الآية : الذين آتيناهم الكتاب الذي قد عرفته يا محمد ، وهو التوراة ، فقرءوه واتبعوا ما فيه ، فصدقوك وآمنوا بك ، وبما جئت به من عندي ، أولئك يتلونه حق تلاوته . وإنما أدخلت الأَلف واللام في " الكتاب " لأَنه معرفة ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عرفوا أي الكتب عنى به . القول في تأويل قوله تعالى : يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ . اختلف أهل التأويل في تأويل قوله عز وجل : يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ فقال بعضهم : معنى ذلك يتبعونه حق اتباعه . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن المثنى ، قال : حدثني ابن أبي عدي ، وعبد الأَعلى ، وحدثنا عمرو بن علي ، قال : ثنا ابن أبي عدي جميعا ، عن داود ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ يتبعونه حق اتباعه . حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الوهاب ، قال : ثنا داود ، عن عكرمة بمثله . وحدثنا عمرو بن علي ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا داود بن أبي هند ، عن عكرمة بمثله . حدثني الحسن بن عمرو العنقزي ، قال : حدثني أبي ، عن أسباط ، عن السدي ، عن أبي مالك ، عن ابن عباس في قوله الله عز وجل : يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ قال : يحلون حلاله ويحرمون حرامه ولا يحرفون . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : قال أبو مالك : أن ابن عباس قال في : يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ فذكر مثله ؛ إلا أنه قال : ولا يحرفونه عن مواضعه . حدثنا عمرو بن علي ، قال : ثنا المؤمل ، قال : ثنا سفيان قال : ثنا يزيد ، عن مرة ، عن عبد الله في قول الله عز وجل : يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ قال : يتبعونه حق اتباعه . حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، قال : قال عبد الله بن مسعود : والذي نفسي بيده إن حق تلاوته أن يحل حلاله ويحرم حرامه ، ويقرأه كما أنزله الله ، ولا يحرف الكلم عن مواضعه ، ولا يتأول منه شيئا على غير تأويله . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ومنصور بن المعتمر ، عن ابن مسعود في قوله : يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أن يحل حلاله ويحرم حرامه ، ولا يحرفه عن مواضعه . حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا الزبيري ، قال : ثنا عباد بن العوام عمن ذكره ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ يتبعونه حق اتباعه . حدثنا