محمد بن جرير الطبري
410
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الجزم . وقد ذكر أنها ولا تسأل في قراءة أبي : " وما تسأل " وفي قراءة ابن مسعود : " ولن تسأل " وكلتا هاتين القراءتين تشهد بالرفع والخبر فيه دون النهي . وقد كان بعض نحويي البصرة يوجه قوله : وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ إلى الحال ، كأنه كان يرى أن معناه : إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا غير مسؤول عن أصحاب الجحيم . وذلك إذا ضم التاء ، وقرأه على معنى الخبر ، وكان يجيز على ذلك قراءته : " ولا تسأل " ، بفتح التاء وضم اللام على وجه الخبر بمعنى : إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ، غير سائل عن أصحاب الجحيم . وقد بينا الصواب عندنا في ذلك . وهذان القولان اللذان ذكرتهما عن البصري في ذلك يدفعهما ما روي عن ابن مسعود وأبي من القراءة ؛ لأَن إدخالهما ما أدخلا من ذلك من ما ، ولن يدل على انقطاع الكلام عن أوله وابتداء قوله : وَلا تُسْئَلُ وإذا كان ابتداء لم يكن حالا . وأما أصحاب الجحيم ، فالجحيم هي النار بعينها إذا شبت وقودها ، ومنه قول أمية بن أبي الصلت : إذا شبت جهنم ثم دارت * وأعرض عن قوابسها الجحيم القول في تأويل قوله تعالى : وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى يعني بقوله جل ثناؤه : وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ وليست اليهود يا محمد ولا النصارى براضية عنك أبدا ، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم ، وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق فإن الذي تدعوهم إليه من ذلك لهو السبيل إلى الاجتماع فيه معك على الأَلفة والدين القيم . ولا سبيل لك إلى إرضائهم باتباع ملتهم ؛ لأَن اليهودية ضد النصرانية ، والنصرانية ضد اليهودية ، ولا تجتمع النصرانية واليهودية في شخص واحد في حال واحدة ، واليهود والنصارى لا تجتمع على الرضا بك ، إلا أن تكون يهوديا نصرانيا ، وذلك مما لا يكون منك أبدا ، لأَنك شخص واحد ، ولن يجتمع فيك دينان متضادان في حال واحدة . وإذا لم يكن إلى اجتماعهما فيك في وقت واحد سبيل ، لم يكن لك إلى إرضاء الفريقين سبيل . وإذا لم يكن لك إلى ذلك سبيل ، فألزم هدى الله الذي لجمع الخلق إلى الأَلفة عليه سبيل ، وأما الملة فإنها الدين وجمعها الملل . ثم قال جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لهؤلاء النصارى واليهود الذين قالوا : لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى يعني أن بيان الله هو البيان المقنع والقضاء الفاصل بيننا ، فهلموا إلى كتاب الله وبيانه الذي بين فيه لعباده ما اختلفوا فيه ، وهو التوراة التي تقرون جميعا بأنها من عند الله ، يتضح لكم فيها المحق منا من المبطل ، وأينا أهل الجنة ، وأينا أهل النار ، وأينا على الصواب ، وأينا على الخطأ وإنما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعوهم إلى هدى الله وبيانه ، لأَن فيه تكذيب اليهود والنصارى فيما قالوا من أن الجنة لن يدخلها إلا من كان هودا أو نصارى ، وبيان أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، وأن المكذب به من أهل النار دون المصدق به . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ . يعني جل ثناؤه بقوله : وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ يا محمد هوى هؤلاء اليهود والنصارى ، فيما يرضيهم عنك من تهود وتنصر ، فصرت من ذلك إلى إرضائهم ، ووافقت فيه محبتهم من بعد الذي جاءك من العلم بضلالتهم وكفرهم بربهم ، ومن بعد الذي اقتصصت عليك من نبئهم في هذه السورة ، ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ . يعني بذلك : ليس لك يا محمد من ولي يلي أمرك ، وقيم يقوم به ، ولا نصير ينصرك من الله ، فيدفع عنك ما ينزل بك من عقوبته ، ويمنعك من ذلك أن أحل بك ذلك ربك . وقد بينا معنى الولي والنصير فيما مضى قبل . وقد قيل إن الله تعالى ذكره أنزل هذه الآية على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لأَن اليهود والنصارى دعته إلى أديانها ، وقال كل حزب منهم : إن الهدى هوما نحن عليه دون ما عليه غيرنا من سائر الملل . فوعظه الله أن يفعل ذلك ، وعلمه الحجة الفاصلة بينهم فيما ادعى كل فريق منهم .