محمد بن جرير الطبري
406
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ونظير قوله : وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ قوله : وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ بأن خروج القوم من قبورهم لا يتقدم دعاء الله ، ولا يتأخر عنه . ويسأل من زعم أن قوله : وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ خاص في التأويل اعتلالا بأن أمر غير الموجود غير جائز ، عن دعوة أهل القبور قبل خروجهم من قبورهم ، أم بعده ؟ أم هي في خاص من الخلق ؟ فلن يقول في ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله . ويسأل الذين زعموا أن معنى قوله جل ثناؤه : فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ نظير قول القائل : قال فلان برأسه أو بيده ، إذا حركه وأومأ ، ونظير قول الشاعر : تقول إذا درأت لها وضيني * أهذا دينه أبدا وديني وما أشبه ذلك ؟ فإنهم لا صواب اللغة أصابوا ولا كتاب الله ، وما دلت على صحته الأَدلة اتبعوا . فيقال لقائلي ذلك : إن الله تعالى ذكره أخبر عن نفسه أنه إذا قضى أمرا قال له : " كن " ، أفتنكرون أن يكون قائلا ذلك ؟ فإن أنكروه كذبوا بالقرآن ، وخرجوا من الملة ، وإن قالوا : بل تقر به ، ولكنا نزعم أن ذلك نظير قول القائل : قال الحائط فمال ولا قول هنا لك ، وإنما ذلك خبر عن ميل الحائط . قيل لهم : أفتجيزون للمخبر عن الحائط بالميل أن يقول : إنما قول الحائط إذا أراد أن يميل أن يقول هكذا فيميل ؟ فإن أجازوا ذلك خرجوا من معروف كلام العرب ، وخالفوا منطقها وما يعرف في لسانها . وإن قالوا : ذلك غير جائز ، قيل لهم : إن الله تعالى ذكره أخبرهم عن نفسه أن قوله للشيء إذا أراده أن يقول له كن فيكون ، فأعلم عباده قوله الذي يكون به الشيء ووصفه ووكده . وذلك عندكم غير جائز في العبارة عما لا كلام له ولا بيان في مثل قول القائل : قال الحائط فمال . فكيف لم يعلموا بذلك فرق ما بين معنى قول الله : وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وقول القائل : قال الحائط فمال ؟ وللبيان عن فساد هذه المقالة موضع غير هذا نأتي فيه على القول بما فيه الكفاية إن شاء الله . وإذا كان الأَمر في قوله جل ثناؤه : وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ هو ما وصفنا من أن حال أمره الشيء بالوجود حال وجود المأمور بالوجود ، فتبين بذلك أن الذي هو أولى بقوله : فَيَكُونُ رفع على العطف على قوله : يَقُولُ لأَن القول والكون حالهما واحد . وهو نظير قول القائل : تاب فلان فاهتدى ، واهتدى فلان فتاب ؛ لأَنه لا يكون تائبا إلا وهو مهتد ، ولا مهتديا إلا وهو تائب . فكذلك لا يمكن أن يكون الله آمرا شيئا بالوجود إلا وهو موجود ، ولا موجودا إلا وهو آمره بالوجود ؛ ولذلك استجاز من استجاز نصب " فيكون " من قرأ : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ بالمعنى الذي وصفنا على معنى : أن نقول فيكون . وأما رفع من رفع ذلك ، فإنه رأى أن الخبر قد تم عند قوله : إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ إذ كان معلوما أن الله إذا حتم قضاءه على شيء كان المحتوم عليه موجودا ، ثم ابتدأ بقوله : فيكون ، كما قال جل ثناؤه : لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ ، وكما قال ابن أحمر : يعالج عاقرا أعيت عليه * ليلقحها فينتجها حوارا يريد : فإذا هو ينتجها حوارا . فمعنى الآية إذا : وقالوا اتخذ الله ولدا ، سبحانه أن يكون له ولد بل هو مالك السماوات والأَرض وما فيهما ، كل ذلك مقر له بالعبودية بدلالته على وحدانيته . وأنى يكون له ولد ، وهو الذي ابتدع السماوات والأَرض من غير أصل ، كالذي ابتدع المسيح من غير والد بقدرته وسلطانه ، الذي لا يتعذر عليه به شيء أراده بل إنما يقول له إذا قضاه فأراد تكوينه : " كن " ، فيكون موجودا كما أراده وشاءه . فكذلك كان ابتداعه المسيح وإنشاءه إذ أراد خلقه من غير والد . القول في تأويل قوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ اختلف أهل التأويل فيمن عنى الله بقوله : وَقالَ الَّذِينَ