محمد بن جرير الطبري

404

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

بشهادتها له بآثار الصنعة التي فيها بذلك ، وأن المسيح أحدهم ، فأنى يكون لله ولدا وهذه صفته ؟ وقد زعم بعض من قصرت معرفته عن توجيه الكلام وجهته أن قوله : كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ خاصة لأَهل الطاعة وليست بعامة . وغير جائز ادعاء خصوص في آية عام ظاهرها إلا بحجة يجب التسليم لها لما قد بينا في كتابنا : " كتاب البيان عن أصول الأَحكام " . وهذا خبر من الله جل وعز عن أن المسيح الذي زعمت النصارى أنه ابن الله مكذبهم هو والسماوات والأَرض وما فيها ، إما باللسان ، وإما بالدلالة ؛ وذلك أن الله جل ثناؤه أخبر عن جميعهم بطاعتهم إياه وإقرارهم له بالعبودية عقيب قوله : وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً فدل ذلك على صحة ما قلنا . القول في تأويل قوله تعالى : بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني جل ثناؤه بقوله : بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مبدعها . وإنما هو " مفعل " صرف إلى " فعيل " ، كما صرف المؤلم إلى أليم ، والمسمع إلى سميع . ومعنى المبدع : المنشئ والمحدث ما لم يسبقه إلى إنشاء مثله وإحداثه أحد ؛ ولذلك سمي المبتدع في الدين مبتدعا ، لإِحداثه فيه ما لم يسبقه إليه غيره . وكذلك كل محدث فعلا أو قولا لم يتقدمه فيه متقدم ، فإن العرب تسميه مبتدعا . ومن ذلك قول أعشى بني ثعلبة في مدح هوذة بن علي الحنفي : يرعى إلى قول سادات الرجال إذا * أبدوا له الحزم أو ما شاءه ابتدعا أي يحدث ما شاء . ومنه قول رؤبة بن العجاج : فأيها الغاشي القذاف الأَتيعا * إن كنت لله التقي الأَطوعا فليس وجه الحق أن تبدعا يعني : أن تحدث في الدين ما لم يكن فيه . فمعنى الكلام : سبحان الله أنى يكون له ولد وهو مالك ما في السماوات والأَرض ، تشهد له جميعا بدلالتها عليه بالوحدانية ، وتقر له بالطاعة ؛ وهو بارئها وخالقها ، وموجدها من غير أصل ، ولا مثال احتذاها عليه وهذا إعلام من الله جل ثناؤه عباده ، أن مما يشهد له بذلك المسيح الذي أضافوا إلى الله جل ثناؤه بنوته ، وإخبار منه لهم أن الذي ابتدع السماوات والأَرض من غير أصل وعلى غير مثال ، هو الذي ابتدع المسيح من غير والد بقدرته . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يقول : ابتدع خلقها ، ولم يشركه في خلقها أحد . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يقول : ابتدعها فخلقها ، ولم يخلق مثلها شيئا فتتمثل به . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . يعني جل ثناؤه بقوله : وَإِذا قَضى أَمْراً وإذا أحكم أمرا وحتمه . وأصل كل قضاء أمر الإِحكام والفراغ منه ؛ ومن ذلك قيل للحاكم بين الناس : القاضي بينهم ، لفصله القضاء بين الخصوم ، وقطعه الحكم بينهم وفراغه منه . ومنه قيل للميت : قد قضى ، يراد به قد فرغ من الدنيا ، وفصل منها . ومنه قيل : ما ينقضي عجبي من فلان ، يراد : ما ينقطع . ومنه قيل : تقضي النهار : إذا انصرم . ومنه قول الله عز وجل : وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ أي فصل الحكم فيه بين عباده بأمره إياهم بذلك ، وكذلك قوله : وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ أي أعلمناهم بذلك وأخبرناهم به ، ففرغنا إليهم منه . ومنه قول أبي ذؤيب : وعليهما مسرودتان قضاهما * داود أو صنع السوابغ تبع ويروى : " وتعاورا مسرودتين قضاهما " . ويعني بقوله : قضاهما : أحكمهما . ومنه قول الآخر في مدح عمر بن الخطاب رضي الله عنه : قضيت أمورا ثم غادرت بعدها * بوائق في أكمامها لم تفتق ويروى : " بوائج " . وأما قوله : فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فإنه يعني بذلك : وإذا أحكم أمرا فحتمه ، فإنما