محمد بن جرير الطبري

403

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

المقالة : وجه الله صفة له . فإن قال قائل : وما هذه الآية من التي قبلها ؟ قيل : هي لها مواصلة ، وإنما معنى ذلك : ومن أظلم من النصارى الذين منعوا عباد الله مساجده أن يذكر فيها اسمه ، وسعوا في خرابها ، ولله المشرق والمغرب ، فأينما توجهوا وجوهكم فاذكروه ، فإن وجهه هنالك يسعكم فضله وأرضه وبلاده ، ويعلم ما تعملون ، ولا يمنعكم تخريب من خرب مسجد بيت المقدس ، ومنعهم من منعوا من ذكر الله فيه أن تذكروا الله حيث كنتم من أرض الله تبتغون به وجهه . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ . يعني جل ثناؤه بقوله : واسِعٌ يسع خلقه كلهم بالكفاية والأَفضال والجود والتدبير . وأما قوله : عَلِيمٌ فإنه يعني أنه عليم بأفعالهم لا يغيب عنه منها شيء ولا يعزب عن علمه ، بل هو بجميعها عليم . القول في تأويل قوله تعالى : وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني بقوله جل ثناؤه : وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً الذين منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ، وَقالُوا معطوف على قوله : وَسَعى فِي خَرابِها . وتأويل الآية : ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها ، وقالوا اتخذ الله ولدا وهم النصارى الذين زعموا أن عيسى ابن الله ؟ فقال الله جل ثناؤه مكذبا قيلهم ما قالوا من ذلك ومنتفيا مما نحلوه وأضافوا إليه بكذبهم وفريتهم : سُبْحانَهُ يعني بها : تنزيها وتبريئا من أن يكون له ولد ، وعلوا وارتفاعا عن ذلك . وقد دللنا فيما مضى على معنى قول القائل : " سبحان الله " بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . ثم أخبر جل ثناؤه أن له ما في السماوات والأَرض ملكا وخلقا ، ومعنى ذلك : وكيف يكون المسيح لله ولدا ، وهو لا يخلو إما أن يكون في بعض هذه الأَماكن إما في السماوات ، وإما في الأَرض ، ولله ملك ما فيهما ؟ ولو كان المسيح ابنا كما زعمتم لم يكن كسائر ما في السماوات والأَرض من خلقه وعبيده في ظهور آيات الصنعة فيه . القول في تأويل قوله تعالى : كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ . اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك كل له قانتون ، فقال بعضهم : معنى ذلك : مطيعون . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ مطيعون . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله عز وجل : كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ قال : مطيعون ، قال : طاعة الكافر في سجود ظله . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد بمثله ، إلا أنه زاد : بسجود ظله وهو كاره . حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ يقول : كل له مطيعون يوم القيامة . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : حدثني يحيى بن سعيد ، ع من ذكره ، عن عكرمة : كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ قال : الطاعة . حدثت عن المنجاب بن الحارث ، قال : ثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : قانِتُونَ مطيعون . وقال آخرون : معنى ذلك كل له مقرون بالعبودية . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا الحسين بن واقد ، عن يزيد النحوي ، عن عكرمة : كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ كل مقر له بالعبودية . وقال آخرون بما : حدثني به المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع قوله : كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ قال : كل له قائم يوم القيامة . وللقنوت في كلام العرب معان : أحدها الطاعة ، والآخر القيام ، والثالث الكف عن الكلام والإِمساك عنه . وأولى معاني القنوت في قوله : كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ الطاعة والإِقرار لله عز وجل بالعبودية بشهادة أجسامهم بما فيها من آثار الصنعة ، والدلالة على وحدانية الله عز وجل ، وأن الله تعالى ذكره بارئها وخالقها . وذلك أن الله جل ثناؤه أكذب الذين زعموا أن الله ولدا بقوله : بل له ما في السماوات والأَرض ملكا وخلقا . ثم أخبر عن جميع ما في السماوات والأَرض أنها مقرة بدلالتها على ربها وخالقها ، وأن الله تعالى بارئها وصانعها . وإن جحد ذلك بعضهم فألسنتهم مذعنة له بالطاعة