محمد بن جرير الطبري
397
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يذكر اسم الله في مساجده ، فتكون " أن " حينئذ في موضع نصب تكريرا على موضع المساجد وردا عليه . وأما قوله : وَسَعى فِي خَرابِها فإن معناه : ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ، وممن سعى في خراب مساجد الله . ف " سعى " إذا عطف على " منع " . فإن قال قائل : ومن الذي عني بقوله : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها وأي المساجد هي ؟ قيل : إن أهل التأويل في ذلك مختلفون ، فقال بعضهم : الذين منعوا مساجد الله أن يذكر فيها اسمه هم النصارى ؛ والمسجد بيت المقدس . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عمي ، قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ أنهم النصارى . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها النصارى كانوا يطرحون في بيت المقدس الأَذى ، ويمنعون الناس أن يصلوا فيه . حدثني المثنى قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . وقال آخرون : هو بختنصر وجنده ومن أعانهم من النصارى ؛ والمسجد : مسجد بيت المقدس . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة قوله : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ الآية ، أولئك أعداء الله النصارى ، حملهم بعض اليهود على أن أعانوا بختنصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها قال : هو بختنصر وأصحابه خرب بيت المقدس ، وأعانه على ذلك النصارى . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها قال : الروم ، كانوا ظاهروا بختنصر على خراب بيت المقدس ، حتى خربه وأمر به أن تطرح فيه الجيف ؛ وإنما أعانه الروم على خرابه من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا . وقال آخرون : بلى عنى الله عز وجل بهذه الآية مشركي قريش ، إذ منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس بن عبد الأَعلى ، قال ، حدثنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها قال : هؤلاء المشركون ، حين حالوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية وبين أن يدخل مكة حتى نحر هديه بذي طوى وهادنهم ، وقال لهم : " ما كان أحد يرد عن هذا البيت " . وقد كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فيه فما يصده ، وقالوا : لا يدخل علينا من قتل آباءنا يوم بدر وفينا باق . وفي قوله : وَسَعى فِي خَرابِها قالوا : إذ قطعوا من يعمرها بذكره ويأتيها للحج والعمرة . وأولى التأويلات التي ذكرتها بتأويل الآية قول من قال : عنى الله عز وجل بقوله : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ النصارى ؛ وذلك أنهم هم الذين سعوا في خراب بيت المقدس ، وأعانوا بختنصر على ذلك ، ومنعوا مؤمني بني إسرائيل من الصلاة فيه بعد منصرف بختنصر عنهم