محمد بن جرير الطبري
396
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
القول في ذلك عندنا أن يقال : إن الله تبارك وتعالى أخبر عن قوم وصفهم بالجهل ، ونفى عنهم العلم بما كانت اليهود والنصارى به عالمين أنهم قالوا بجهلهم نظير ما قال اليهود والنصارى بعضها لبعض مما أخبر الله عنهم أنهم قالوه في قوله : وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ . وجائز أن يكونوا هم المشركين من العرب ، وجائز أن يكونوا أمة كانت قبل اليهود والنصارى . ولا أمة أولى أن يقال هي التي عنيت بذلك من أخرى ، إذ لم يكن في الآية دلالة على أي من أي ، ولا خبر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبتت حجته من جهة نقل الواحد العدل ولا من جهة النقل المستفيض . وإنما قصد الله جل ثناؤه بقوله : كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ إعلام المؤمنين أن اليهود والنصارى قد أتوا من قيل الباطل ، وافتراء الكذب على الله ، وجحود نبوة الأَنبياء والرسل ، وهم أهل كتاب يعلمون أنهم فيما يقولون مبطلون ، وبجحودهم ما يجحدون من ملتهم خارجون ، وعلى الله مفترون ؛ مثل الذي قاله أهل الجهل بالله وكتبه ورسله الذين لم يبعث الله لهم رسولا ولا أوحى إليهم كتابا . وهذه الآية تنبئ عن أن من أتى شيئا من معاصي الله على علم منه بنهي الله عنها ، فمصيبته في دينه أعظم من مصيبة من أتى ذلك جاهلا به ؛ لأَن الله تعالى ذكره عظم توبيخ اليهود والنصارى بما وبخهم به في قيلهم ما أخبر عنهم بقوله : وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ من أجل أنهم أهل كتاب قالوا ما قالوا من ذلك على علم منهم أنهم مبطلون . القول في تأويل قوله تعالى : فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ . يعني بذلك جل ثناءه : فالله يقضي فيفصل بين هؤلاء المختلفين القائل بعضهم لبعض : لستم على شيء من دينكم يوم قيام الخلق لربهم من قبورهم ، فيتبين المحق منهم من المبطل بإثابة المحق ما وعد أهل طاعته على أعماله الصالحة ومجازاته المبطل منهم بما أوعد أهل الكفر به على كفرهم به فيما كانوا فيه يختلفون من أديانهم ومللهم في دار الدنيا . وأما القيامة فهي مصدر من قول القائل : قمت قياما وقيامة ، كما يقال : عدت فلانا عيادة ، وصنت هذا الأَمر صيانة . وإنما عنى بالقيامة : قيام الخلق من قبورهم لربهم ، فمعنى يوم القيامة : يوم قيام الخلائق من قبورهم لمحشرهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها قد دللنا فيما مضى قبل على أن تأويل الظلم : وضع الشيء في غير موضعه . وتأويل قوله : وَمَنْ أَظْلَمُ وأي امرئ أشد تعديا وجراءة على الله وخلافا لأَمره من امرئ منع مساجد الله أن يعبد الله فيها ؟ والمساجد جمع مسجد : وهو كل موضع عبد الله فيه . وقد بينا معنى السجود فيما مضى فمعنى المسجد : الموضع الذي يسجد لله فيه ، كما يقال للموضع الذي يجلس فيه : المجلس ، وللموضع الذي ينزل فيه : منزل ، ثم يجمع منازل ومجالس نظير مسجد ومساجد . وقد حكي سماعا من بعض العرب مساجد في واحد المساجد ، وذلك كالخطأ من قائله . وأما قوله : أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ فإن فيه وجهين من التأويل ، أحدهما : أن يكون معناه : ومن أظلم ممن منع مساجد الله من أن يذكر فيها اسمه ، فتكون " أن " حينئذ نصبا من قول بعض أهل العربية بفقد الخافض وتعلق الفعل بها . والوجه الآخر أن يكون معناه : ومن أظلم ممن منع أن