محمد بن جرير الطبري
389
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
خصهم الله برسوله صلى الله عليه وسلم ، وكانا جاهدين في رد الناس عن الإِسلام بما استطاعا ، فأنزل الله فيهما : وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ الآية . وليس لقول القائل عنى بقوله : وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ كعب بن الأَشرف معنى مفهوم ؛ لأَن كعب بن الأَشرف واحد ، وقد أخبر الله جل ثناؤه أن كثيرا منهم يودون لو يردون المؤمنين كفارا بعد إيمانهم . والواحد لا يقال له كثير بمعنى الكثرة في العدد ، إلا أن يكون قائل ذلك أراد بوجه الكثرة التي وصف الله بها من وصفه بها في هذه الآية الكثرة في العز ورفعة المنزلة في قومه وعشيرته ، كما يقال : فلان في الناس كثير ، يراد به كثرة المنزلة والقدر . فإن كان أراد ذلك فقد أخطأ ، لأَن الله جل ثناؤه قد وصفهم بصفة الجماعة ، فقال : لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً فذلك دليل على أنه عنى الكثرة في العدد . أو يكون ظن أنه من الكلام الذي يخرج مخرج الخبر عن الجماعة ، والمقصود بالخبر عنه الواحد ، نظير ما قلنا آنفا في بيت جميل ؛ فيكون ذلك أيضا خطأ ، وذلك أن الكلام إذا كان بذلك المعنى فلا بد من دلالة فيه تدل على أن ذلك معناه ، ولا دلالة تدل في قوله : وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أن المراد به واحد دون جماعة كثيرة ، فيجوز صرف تأويل الآية إلى ذلك وإحالة دليل ظاهره إلى غير الغالب في الاستعمال . القول في تأويل قوله تعالى : حَسَداً . ويعني جل ثناؤه بقوله : حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ أن كثيرا من أهل الكتاب يودون للمؤمنين ما أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم يودونه لهم من الردة عن إيمانهم إلى الكفر حسدا منهم وبغيا عليهم . والحسد إذا منصوب على غير النعت للكفار ، ولكن على وجه المصدر الذي يأتي خارجا من معنى الكلام الذي يخالف لفظه لفظ المصدر ، كقول القائل لغيره : تمنيت لك ما تمنيت من السوء حسدا مني لك . فيكون الحسن مصدرا من معنى قوله : تمنيت من السوء ؛ لأَن في قوله تمنيت لك ذلك ، معنى حسدتك على ذلك . فعلى هذا نصب الحسد ، لأَن في قوله : وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً يعني : حسدكم أهل الكتاب على ما أعطاكم الله من التوفيق ، ووهب لكم من الرشاد لدينه والإِيمان برسوله ، وخصكم به من أن جعل رسوله إليكم رجلا منكم رؤوفا بكم رحيما ، ولم يجعله منهم ، فتكونوا لهم تبعا . فكان قوله : حَسَداً مصدرا من ذلك المعنى . وأما قوله : مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ فإنه يعني بذلك : من قبل أنفسهم ، كما يقول القائل : لي عندك كذا وكذا ، بمعنى : لي قبلك . وكما : حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس قوله : مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ قال : من قبل أنفسهم . وإنما أخبر الله جل ثناؤه عنهم المؤمنين أنهم ودوا ذلك للمؤمنين من عند أنفسهم إعلاما منه لهم بأنهم لم يؤمروا بذلك في كتابهم ، وأنهم يأتون ما يأتون من ذلك على علم منهم بنهي الله إياهم عنه . القول في تأويل قوله تعالى : مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ . يعني جل ثناؤه بقوله : مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ أي من بعد ما تبين لهؤلاء الكثير من أهل الكتاب الذين يودون أنهم يردونكم كفارا من بعد إيمانكم الحق في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند ربه والملة التي دعا إليها فأضاء لهم أن ذلك الحق الذي لا يمترون فيه . كما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة : مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ من بعد ما تبين لهم أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والإِسلام دين