محمد بن جرير الطبري

385

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

لا قيم بأمركم سواي ، ولا ناصر لكم غيري ، وأنا المنفرد بولايتكم والدفاع عنكم ، والمتوحد بنصرتكم بعزي وسلطاني وقوتي على من ناوأكم وحادكم ونصب حرب العداوة بينه وبينكم ، حتى أعلي حجتكم ، وأجعلها عليهم لكم . والولي معناه " فعيل " ، من قول القائل : وليت أمر فلان : إذا صرت قيما به فأنا أليه فهو وليه وقيمه ؛ ومن ذلك قيل : فلان ولي عهد المسلمين ، يعني به : القائم بما عهد إليه من أمر المسلمين . وأما النصير فإنه فعيل من قولك : نصرتك أنصرك فأنا ناصرك ونصيرك ؛ وهو المؤيد والمقوي . وأما معنى قوله : مِنْ دُونِ اللَّهِ فإنه سوى الله وبعد الله . ومنه قول أمية بن أبي الصلت : يا نفس مالك دون الله من واقي * وما على حدثان الدهر من باقي يريد : مالك سوى الله وبعد الله من يقيك المكاره . فمعنى الكلام إذا : وليس لكم أيها المؤمنون بعد الله من قيم بأمركم ولا نصير فيؤيدكم ويقويكم فيعينكم على أعدائكم . القول في تأويل قوله تعالى : أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله أنزلت هذه الآية . فقال بعضهم بما : حدثنا به أبو كريب ، قال : حدثني يونس بن بكير ، وحدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة بن الفضل ، قالا : ثنا ابن إسحاق ، قال : حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، قال : حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس : قال رافع بن حريملة ووهب بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرؤه وفجر لنا أنهارا نتبعك ونصدقك فأنزل الله في ذلك من قولهم : أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ الآية . وقال آخرون بما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وكان موسى يسأل فقيل له : أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ أن يريهم الله جهرة ، فسألت العرب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بالله فيروه جهرة . وقال آخرون بما : حدثني به محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ أن يريهم الله جهرة . فسألت قريش محمدا صلى الله عليه وسلم أن يجعل الله له الصفا ذهبا ، قال : " نعم ، وهو لكم ك مائدة بني إسرائيل إن كفرتم " . فأبوا ورجعوا . حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قال : سألت قريش محمدا أن يجعل لهم الصفا ذهبا ، فقال : " نعم ، وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل إن كفرتم " . فأبوا ورجعوا ، فأنزل الله أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ أن يريهم الله جهرة . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله . وقال آخرون بما : حدثني به المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، قال : قال رجل : يا رسول الله لو كانت كفاراتنا كفارات بني إسرائيل فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " اللهم لا نبغيها ما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل ؛ فقال النبي : كانت بنو إسرائيل إذا فعل أحدهم الخطيئة