محمد بن جرير الطبري

382

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها يقول : آية فيها تخفيف ، فيها رحمة ، فيها أمر ، فيها نهي . وقال آخرون : نأت بخير من التي نسخناها ، أو بخير من التي تركناها فلم ننسخها . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى ، قال : حدثنا عمرو ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدي : نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها يقول : نأت بخير من التي نسخناها أو مثلها أو مثل التي تركناها . فالهاء والأَلف اللتان في قوله : مِنْها عائدتان على هذه المقالة على الآية في قوله : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ والهاء والأَلف اللتان في قوله : أَوْ مِثْلِها عائدتان على الهاء والأَلف اللتين في قوله : أَوْ نُنْسِها . وقال آخرون بما : حدثني به المثنى ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : كان عبيد بن عمير يقول : نُنْسِها نرفعها من عندكم ، نأت بمثلها أو خير منها . حدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : أَوْ نُنْسِها نرفعها نأت بخير منها أو بمثلها . وحدثني المثنى ، قال : حدثنا إسحاق ، قال : حدثنا بكر بن شوذب ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن أصحاب ابن مسعود ، مثله . والصواب من القول في معنى ذلك نأت بخير منها أو مثلها عندنا : ما نبدل من حكم آية فنغيره أو نترك تبديله فنقره بحاله ، نأت بخير منها لكم من حكم الآية التي نسخنا فغيرنا حكمها ، إما في العاجل لخفته عليكم ، من أجل أنه وضع فرض كان عليكم فأسقط ثقله عنكم ، وذلك كالذي كان على المؤمنين من فرض قيام الليل ، ثم نسخ ذلك فوضع عنهم ، فكان ذلك خيرا لهم في عاجلهم لسقوط عبء ذلك وثقل حمله عنهم ؛ وإما في الآجل لعظم ثوابه من أجل مشقة حمله وثقل عبئه على الأَبدان ، كالذي كان عليهم من صيام أيام معدودات في السنة ، فنسخ وفرض عليهم مكانه صوم شهر كامل في كل حول ، فكان فرض صوم شهر كامل كل سنة أثقل على الأَبدان من صيام أيام معدودات . غير أن ذلك وإن كان كذلك ، فالثواب عليه أجزل والأَجر عليه أكثر ، لفضل مشقته على مكلفيه من صوم أيام معدودات ، فذلك وإن كان على الأَبدان أشق فهو خير من الأَول في الآجل لفضل ثوابه وعظم أجره الذي لم يكن مثله لصوم الأَيام المعدودات . فذلك معنى قوله : نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها لأَنه إما بخير منها في العاجل لخفته على من كلفه ، أو في الآجل لعظم ثوابه وكثرة أجره . أو يكون مثلها في المشقة على البدن واستواء الأَجر والثواب عليه ، نظير نسخ الله تعالى ذكره فرض الصلاة شطر بيت المقدس إلى فرضها شطر المسجد الحرام . فالتوجه شطر بيت المقدس ، وإن خالف التوجه شطر المسجد ، فكلفة التوجه شطر أيهما توجه شطره واحدة ؛ لأَن الذي على المتوجه شطر البيت المقدس من مؤنة توجهه شطره ، نظير الذي على بدنه مؤنة توجهه شطر الكعبة سواء . فذلك هو معنى المثل الذي قال جل ثناؤه : أَوْ مِثْلِها . وإنما عنى جل ثناؤه بقوله : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها ما ننسخ من حكم آية أو ننسه . غير أن المخاطبين بالآية لما كان مفهوما عندهم معناها اكتفي بدلالة ذكر الآية من ذكر حكمها . وذلك نظير سائر ما ذكرنا من نظائره فيما مضى من كتابنا هذا ، كقوله : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بمعنى حب العجل ونحو ذلك . فتأويل الآية إذا : ما نغير من حكم آية فنبدله أو نتركه فلا نبدله ، نأت بخير لكم أيها المؤمنون حكما منها ، أو مثل حكمها في الخفة والثقل والأَجر والثواب . فإن قال قائل : فإنا قد علمنا أن العجل لا يشرب في القلوب