محمد بن جرير الطبري
380
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
مثلها . وعلى هذا التأويل تأول جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : أَوْ نُنْسِها يقول : أو نتركها لا نبدلها . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي قوله : أَوْ نُنْسِها نتركها لا ننسخها . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا جويبر ، عن الضحاك في قوله : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها قال : الناسخ والمنسوخ . قال هشيم : وكان عبد الرحمن بن زيد يقول في ذلك ما : حدثني به يونس بن عبد الأَعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : نُنْسِها نمحها . وقرأ ذلك أو ننسها آخرون : " أو ننسأها " بفتح النون وهمزة بعد السين بمعنى نؤخرها ، من قولك : نسأت هذا الأَمر أنسؤه نسأ ونساء إذا أخرته ، وهو من قولهم : بعته بنساء ، يعني بتأخير . ومن ذلك قول طرفة بن العبد : لعمرك إن الموت ما أنسأ الفتى * لكا لطول المرخى وثنياه باليد يعني بقوله أنسأ : أخر . وممن قرأ ذلك جماعة من الصحابة والتابعين ، وقرأه جماعة من قراء الكوفيين والبصريين ، وتأوله كذلك جماع من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، ويعقوب بن إبراهيم ، قالا : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا عبد الملك . عن عطاء في قوله : " ما ننسخ من آية أو ننسأها " قال : نؤخرها . حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، قال : سمعت ابن أبي نجيح ، يقول في قول الله : " أو ننسأها " قال : نرجئها . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : " أو ننسأها " نرجئها ونؤخرها . حدثنا أحمد بن إسحاق الأَهوازي ، قال : ثنا أبو أحمد الزبيري ، قال : ثنا فضيل ، عن عطية : " أو ننسأها " قال : نؤخرها فلا ننسخها . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : أخبرني عبد الله بن كثير عن عبيد الأَزدي ، عن عبيد بن عمير " أو ننسأها " إرجاؤها وتأخيرها . هكذا حدثنا القاسم عن عبد الله بن كثير ، عن عبيد الأَزدي . وإنما هو عن علي الأَزدي . حدثني أحمد بن يوسف ، قال : ثنا القاسم بن سلام ، قال : حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير ، عن علي الأَزدي ، عن عبيد بن عمير أنه قرأها ننسها : " ننسأها " . قال : فتأويل من قرأ ذلك كذلك : ما نبدل من آية أنزلناها إليك يا محمد ، فنبطل حكمها ونثبت خطها ، أو نؤخرها فنرجئها ونقرها فلا نغيرها ولا نبطل حكمها ؛ نأت بخير منها أو مثلها . وقد قرأ بعضهم ذلك ننسها : " ما ننسخ من آية أو تنسها " وتأويل هذه القراءة نظير تأويل قراءة من قرأ أَوْ نُنْسِها إلا أن معنى " أو تنسها " أنت يا محمد . وقد قرأ بعضهم : " ما ننسخ من آية " بضم النون وكسر السين ، بمعنى : ما ننسخك يا محمد نحن من آية ، من أنسختك فأنا أنسخك . وذلك خطأ من القراءة عندنا لخروجه عما جاءت به الحجة من القراءة بالنقل المستفيض . وكذلك قراءة ننسها من قرأ " تنسها " أو " تنسها " لشذوذها وخروجها عن القراءة التي جاءت بها الحجة من قراء الأَمة . وأولى القراءات في قوله : أَوْ نُنْسِها بالصواب من قرأ : أَوْ نُنْسِها ، بمعنى نتركها ؛ لأَن الله جل ثناؤه أخبر نبيه