محمد بن جرير الطبري
378
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ما يحب الكافرون من أهل الكتاب ولا المشركين بالله من عبدة الأَوثان أن ينزل عليكم من الخير الذي كان عند الله فنزلهم عليكم . فتمنى المشركون وكفرة أهل الكتاب أن لا ينزل الله عليهم الفرقان وما أوحاه إلى محمد صلى الله عليه وسلم من حكمه وآياته ، وإنما أحبت اليهود وأتباعهم من المشركين ذلك حسدا وبغيا منهم على المؤمنين . وفي هذه الآية دلالة بينة على أن الله تبارك وتعالى نهى المؤمنين عن الركون إلى أعدائهم من أهل الكتاب والمشركين ، والاستماع من قولهم وقبول شيء مما يأتونهم به ، على وجه النصيحة لهم منهم ؛ باطلاعه جل ثناؤه إياهم على ما يستبطنه لهم أهل الكتاب والمشركون من الضغن والحسد وإن أظهروا بألسنتهم خلاف ما هم مستبطنون . القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ . يعني بقوله جل ثناؤه : وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ والله يختص من يشاء بنبوته ورسالته فيرسله إلى من يشاء من خلقه ، فيتفضل بالإِيمان على من أحب فيهديه له . واختصاصه إياهم بها إفرادهم بها دون غيرهم من خلقه . وإنما جعل الله رسالته إلى من أرسل إليه من خلقه وهدايته من هدى من عباده رحمة منه له ليصيره بها إلى رضاه ومحبته ، وفوزه بها بالجنة واستحقاقه بها ثناءه ؛ وكل ذلك رحمة من الله له . وأما قوله : وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ فإنه خبر من الله جل ثناؤه عن أن كل خير ناله عباده في دينهم ودنياهم فإنه من عنده ابتداء وتفضلا منه عليهم من غير استحقاق منهم ذلك عليه . وفي قوله : وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ تعريض من الله تعالى ذكره بأهل الكتاب أن الذي آتى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به من الهداية تفضلا منه ، وأن نعمه لا تدرك بالأَماني ولكنها مواهب منه يختص بها من يشاء من خلقه . القول في تأويل قوله تعالى : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ يعني جل ثناؤه بقوله : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ إلى غيره ، فنبدله ونغيره . وذلك أن يحول الحلال حراما والحرام حلالا ، والمباح محظورا والمحظور مباحا ؛ ولا يكون ذلك إلا في الأَمر والنهي والحظر والإِطلاق والمنع والإِباحة ، فأما الأَخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ . وأصل النسخ من " نسخ الكتاب " وهو نقله من نسخة إلى أخرى غيرها ، فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره إنما هو تحويله ونقل عبارته عنه إلى غيره . فإذا كان ذلك معنى نسخ الآية فسواء إذا نسخ حكمها فغير وبدل فرضها ونقل فرض العباد عن اللازم كان لهم بها أوفر حظها فترك ، أو محي أثرها ، فعفي ونسي ، إذ هي حينئذ في كلتا حالتيها منسوخة . والحكم الحادث المبدل به الحكم الأَول والمنقول إليه فرض العباد هو الناسخ ، يقال منه : نسخ الله آية كذا وكذا ينسخه نسخا ، والنسخة الاسم . وبمثل الذي قلنا في ذلك كان الحسن البصري يقول . حدثنا سوار بن عبد الله العنبري ، قال : ثنا خالد بن الحارث ، قال : ثنا عوف ، عن الحسن أنه قال في قوله : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها قال : قال : أقرئ قرآنا ثم نسيه فلم يكن شيئا ، ومن القرآن ما قد نسخ وأنتم تقرءونه . اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : ما نَنْسَخْ فقال بعضهم بما : حدثني به موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن عمار ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أما نسخها فقبضها . وقال آخرون بما : حدثني به المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ يقول : ما نبدل من آية . وقال آخرون بما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن أصحاب عبد الله