محمد بن جرير الطبري
376
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بانتظارهم وإمهالهم ليعقلوا عنه بتبجيل منهم له وتعظيم ، وأن لا يسألوه ما سألوه من ذلك على وجه الجفاء والتجهم منهم له ، ولا بالفظاظة والغلظة ، تشبها منهم باليهود في خطابهم نبي الله صلى الله عليه وسلم بقولهم له : اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا . يدل على صحة ما قلنا في ذلك قوله : ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ فدل بذلك أن الذي عاتبهم عليه مما يسر اليهود والمشركين . فأما التأويل الذي حكي عن مجاهد في قوله : راعِنا أنه بمعنى خلافا ، فمما لا يعقل في كلام العرب ؛ لأَن " راعيت " في كلام العرب إنما هو على أحد وجهين : أحدهما بمعنى فاعلت من " الرعية " ، وهي الرقبة والكلاءة . والآخر بمعنى إفراغ السمع ، بمعنى أرعيته سمعي . وأما " راعيت " بمعنى " خالفت " ، فلا وجه له مفهوم في كلام العرب ، إلا أن يكون قرأ ذلك بالتنوين ثم وجهه إلى معنى الرعونة والجهل والخطأ ، على النحو الذي قال في ذلك عبد الرحمن بن زيد ، فيكون لذلك وإن كان مخالفا قراءة القراء معنى مفهوم حينئذ . وأما القول الآخر الذي حكي عن عطية ومن حكى ذلك عنه ، أن قوله : راعِنا كانت كلمة لليهود بمعنى السب والسخرية ، فاستعملها المؤمنون أخذا منهم ذلك عنهم ؛ فإن ذلك غير جائز في صفة المؤمنين أن يأخذوا من كلام أهل الشرك كلاما لا يعرفون معناه ثم يستعملونه بينهم وفي خطاب نبيهم صلى الله عليه وسلم ، ولكنه جائز أن يكون ذلك مما روي عن قتادة أنها كانت كلمة صحيحة مفهومة من كلام العرب وافقت كلمة من كلام اليهود بغير اللسان العربي هي عند اليهود سب ، وهي عند العرب : أرعني سمعك وفرغه لتفهم عني . فعلم الله جل ثناؤه معنى اليهود في قيلهم ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، وأن معناها منهم خلاف معناها في كلام العرب ، فنهى الله عز وجل المؤمنين عن قيلها للنبي صلى الله عليه وسلم لئلا يجترئ من كان معناه في ذلك غير معنى المؤمنين فيه أن يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم به . وهذا تأويل لم يأت الخبر بأنه كذلك من الوجه الذي تقوم به الحجة . وإذ كان ذلك كذلك فالذي هو أولى بتأويل الآية ما وصفنا ، إذ كان ذلك هو الظاهر المفهوم بالآية دون غيره . وقد حكي عن الحسن البصري أنه كان يقرؤه : لا تَقُولُوا راعِنا بالتنوين ، بمعنى : لا تقولوا قولا راعنا ، من الرعونة وهي الحمق والجهل . وهذه قراءة لقراء المسلمين مخالفة ، فغير جائز لأَحد القراءة بها لشذوذها وخروجها من قراءة لمتقدمين والمتأخرين وخلافها ما جاءت به الحجة من المسلمين . ومن نون " راعنا " نونه بقوله : لا تَقُولُوا لأَنه حينئذ عامل فيه . ومن لم ينونه فإنه ترك تنوينه لأَنه أمر محكي ؛ لأَن القوم كأنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم : راعِنا بمعنى مسألته ؛ إما أن يرعيهم سمعه ، وإما أن يرعاهم ويرقبهم على ما قد بينت فيما قد مضى ؛ فقيل لهم : لا تقولوا في مسألتكم إياه راعنا . فتكون الدلالة على معنى الأَمر في " راعنا " حينئذ سقوط الياء التي كانت تكون في " يراعيه " . ويدل عليها أعني على الياء الساقطة كسرة العين من " راعنا " . وقد ذكر أن قراءة ابن مسعود : " لا تقولوا راعونا " بمعنى حكاية أمر صالحة لجماعة بمراعاتهم . فإن كان ذلك من قراءته صحيحا وجه أن يكون القوم كأنهم نهوا عن استعمال ذلك بينهم في خطاب بعضهم بعضا كان خطابهم للنبي صلى الله عليه وسلم أو لغيره ، ولا نعلم ذلك صحيحا من الوجه الذي تصح منه الأَخبار . القول في تأويل قوله تعالى : وَقُولُوا انْظُرْنا .