محمد بن جرير الطبري
373
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
مصدر من قول القائل : أثبتك إثابة وثوابا ومثوبة ، فأصل ذلك من ثاب إليك الشيء بمعنى رجع ، ثم يقال : أثبته إليك : أي رجعته إليك ورددته . فكان معنى إثابة الرجل الرجل على الهدية وغيرها : إرجاعه إليها منها بدلا ، ورده عليه منها عوضا . ثم جعل كل معوض غيره من عمله أو هديته أو يد له سلفت منه إليه مثيبا له . ومنه ثواب الله عز وجل عباده على أعمالهم ، بمعنى إعطائه إياهم العوض والجزاء عليه ، حتى يرجع إليهم بدل من عملهم الذي عملوا له . وقد زعم بعض نحويي البصرة أن قوله : وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ مما اكتفي بدلالة الكلام على معناه عن ذكر جوابه ، وأن معناه : ولو أنهم آمنوا واتقوا لأَثيبوا ؛ ولكنه استغنى بدلالة الخبر عن المثوبة عن قوله : لأَثيبوا . وكان بعض نحويي أهل البصرة ينكر ذلك ، ويرى أن جواب قوله : وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ وأن " لو " إنما أجيبت بالمثوبة ، وإن كانت أخبر عنها بالماضي من الفعل لتقارب معناه من معنى " لئن " في أنهما جزاءان ، فإنهما جوابان للإِيمان ، فأدخل جواب كل واحدة منهما على صاحبتها ، فأجيبت " لو " بجواب " لئن " ، و " لئن " بجواب " لو " ؛ لذلك وإن اختلفت أجوبتهما فكانت " لو " من حكمها وحظها أن تجاب بالماضي من الفعل ، وكانت " لئن " من حكمها وحظها أن تجاب بالمستقبل من الفعل لما وصفنا من تقاربهما ، فكان يتأول معنى قوله : وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا ولئن آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير . وبما قلنا في تأويل المثوبة المثوبة في كلام العرب مصدر من قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يقول : ثواب من عند الله . حدثني يونس ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أما المثوبة ، فهو الثواب . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ يقول : لثواب من عند الله . القول في تأويل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : لا تَقُولُوا راعِنا فقال بعضهم : تأويله لا تقولوا خلافا . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا مؤمل ، قال : ثنا سفيان ، عن ابن جريج ، عن عطاء في قوله : لا تَقُولُوا راعِنا قال : لا تقولوا خلافا . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : لا تَقُولُوا راعِنا لا تقولوا خلافا . وحدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا أحمد بن إسحاق الأَهوازي ، قال : ثنا أبو أحمد الزبيري ، قال : ثنا سفيان ، عن رجل عن مجاهد ، مثله . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو نعيم ، قال : ثنا سفيان ، عن مجاهد ، مثله . وقال آخرون : تأويله : أرعنا سمعك : أي اسمع منا ونسمع منك . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : حدثني ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قوله : راعِنا أي أرعنا سمعك . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله جل وعز : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا لا تقولوا اسمع منا ونسمع منك . وحدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في