محمد بن جرير الطبري
369
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ويعرض عنه حتى يحدث الزوج لامرأته فراقا ، فيكون الساحر مفرقا بينهما بإحداثه السبب الذي كان منه فرقة ما بينهما . وقد دللنا في غير موضع من كتابنا هذا على أن العرب تضيف الشيء إلى مسببه من أجل تسببه وإن لم يكن باشر فعل ما حدث عن السبب ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع ؛ فكذلك تفريق الساحر بسحره بين المرء وزوجه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قاله عدد من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وتفريقهما أن يؤخذ كل واحد منهما عن صاحبه ، ويبغض كل واحد منهما إلى صاحبه . وأما الذين أبوا أن يكون الملكان يعلمان الناس التفريق بين المرء وزوجه ، فإنهم وجهوا تأويل قوله : فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما إلى " فيتعلمون " مكان ما علماهم ما يفرقون به بين المرء وزوجه ، كقول القائل : ليت لناكذا من كذا ، أي مكان كذا . كما قال الشاعر : جمعت من الخيرات وطبا وعلبة * وصرا الأَخلاف المزممة البزل ومن كل أخلاق الكرم نميمة * وسعيا على الجار المجاور بالنجل يريد بقوله : " جمعت من الخيرات " ، مكان خيرات الدنيا هذه الأَخلاق الرديئة والأَفعال الدنيئة . ومنه قول الآخر : صلدت صفاتك أن تلين حيودها * وورثت من سلف الكرام عقوقا يعني ورثت مكان سلف الكرام عقوقا من والديك . القول في تأويل قوله تعالى : وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ . يعني بقوله جل ثناؤه : وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وما المتعلمون من الملكين هاروت وماروت ما يفرقون به بين المرء وزوجه ، بضارين بالذي تعلموه منهما من المعنى الذي يفوقون به بين المرء وزوجه من أحد من الناس ، إلا من قد قضى الله عليه أن ذلك يضره ؛ فأما من دفع الله عنه ضره وحفظه من مكروه السحر والنفث والرقى ، فإن ذلك غير ضاره ولا نائله أذاه . وللإِذن الإِذن في كلام العرب أوجه : منها الأَمر على غير وجه الإِلزام ، وغير جائز أن يكون منه قوله : وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لأَن الله جل ثناؤه قد حرم التفريق بين المرء وحليلته بغير سحر فكيف به على وجه السحر على لسان الأَمة . ومنها التخلية بين المأذون له والمخلى بينه وبينه . ومنها العلم بالشيء ، يقال منه : قد أذنت بهذا الأَمر ، إذا علمت به ، آذن به إذنا ؛ ومنه قول الحطيئة : ألا يا هند إن جددت وصلا * وإلا فأذنيني بانصرام يعنى فأعلميني . ومنه قوله جل ثناؤه : فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وهذا هو معنى الآية ، كأنه قال جل ثناؤه : وَما هُمْ بِضارِّينَ بالذي تعلموا من الملكين من أحد إلا بعلم الله . يعني بالذي سبق له في علم الله أنه يضره . كما : حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : ثنا سويد بن نصر ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن سفيان في قوله : وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ قال : بقضاء الله . القول في تأويل قوله تعالى : وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ . يعني بذلك جل ثناؤه : وَيَتَعَلَّمُونَ أي الناس الذين يتعلمون من الملكين ، ما أنزل عليهما من المعنى الذي يفرقون به بين المرء وزوجه ، يتعلمون منهما السحر الذي يضرهم في دينهم ولا ينفعهم