محمد بن جرير الطبري
366
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فقال بعضهم : هو خدع ومخاريق ومعان يفعلها الساحر ، حتى يخيل إلى المسحور الشيء أنه بخلاف ما هو به نظير الذي يرى السراب من بعيد ، فيخيل إليه أنه ماء ، ويرى الشيء من بعيد فيثبته بخلاف ما هو على حقيقته . وكراكب السفينة السائرة سيرا حثيثا يخيل إليه أن ما عاين من الأَشجار والجبال سائر معه . قالوا : فكذلك المسحور ذلك صفته ، يحسب بعد الذي وصل إليه من سحر الساحر أن الذي يراه أو يفعله بخلاف الذي هو به على حقيقته . كالذي : حدثني أحمد بن الوليد ، وسفيان بن وكيع قالا : ثنا يحيى بن سعيد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عروة ، عن عائشة : السحر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سحر كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولم يفعله . حدثنا ابن وكيع ، قال : اثنا ابن نمير ، عن هشام بن عروة عن أبيه عروة ، عن عائشة ، قالت : السحر سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي من يهود بني زريق يقال له لبيد بن الأَعصم ، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، قال : كان عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب يحدثان : السحر أن يهود بني زريق عقدوا عقد سحر ل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعلوها في بئر حزم حتى كان رسول الله ينكر بصره ودله الله على ما صنعوا . فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بئر حزم التي فيها العقد فانتزعها ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " سحرتني يهود بني زريق " . وأنكر قائل هذه المقالة فقال بعضهم : هو خدع ومخاريق أن يكون الساحر يقدر بسحره على قلب شيء عن حقيقته ، واستسخار شيء من خلق الله إلا نظير الذي يقدر عليه من ذلك سائر بني آدم ، أو إنشاء شيء من الأَجسام سوى المخاريق والخدع المتخيلة لأَبصار الناطرين بخلاف حقائقها التي وصفنا السحر . وقالوا : لو كان في وسع السحرة إنشاء الأَجسام وقلب لحقائق الأَعيان عما هي به من الهيئات ، لم يكن بين الحق والباطل فصل ، ولجاز أن تكون جميع المحسوسات مما سحرته السحرة فقلبت أعيانها . قالوا : وفي وصف الله جل وعز سحرة فرعون بقوله : فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى . وفي خبر عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه كان إذا سحر يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله ، أوضح الدلالة على بطول دعوى المدعين : أن الساحر ينشئ أعيان الأَشياء بسحره ، ويستسخر ما يتعذر استسخاره على غيره من بني آدم . كالموات والجماد والحيوان ، وصحة ما قلنا . وقال آخرون : السحر قد يقدر الساحر بسحره أن يحول الإِنسان حمارا ، وأن يسحر الإِنسان والحمار وينشئ أعيانا وأجساما . واعتلوا في ذلك بما : حدثنا به الربيع بن سليمان ، قال : ثنا ابن وهب ، قال : أخبرنا ابن أبي الزناد ، قال : حدثني هشام بن عروة ، عن أبيه عروة ، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت : قدمت علي امرأة من أهل دومة الجندل ، جاءت تبتغي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته حداثة ذلك ، تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به . قالت عائشة لعروة : يا ابن أختي ، فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيشفيها ، كانت تبكي حتى إني لأَرحمها ، وتقول : إني لأَخاف أن أكون قد هلكت ، كان لي زوج فغاب عني ، فدخلت علي عجوز فشكوت ذلك إليها ، فقالت : إن فعلت