محمد بن جرير الطبري
358
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الله نبيه سليمان وبرأه من ذلك ، فقال جل ثناؤه : وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، قال : كتبت الشياطين كتبا فيها سحر وشرك ، ثم دفنت تلك الكتب تحت كرسي سليمان . فلما مات سليمان استخرج الناس تلك الكتب ، فقالوا : هذا علم كتمناه سليمان . فقال الله جل وعز : وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ . حدثنا القاسم ، قال : ثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قوله : وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ قال : كانت الشياطين تستمع الوحي من السماء ، فما سمعوا من كلمة زادوا فيها مثلها . وإن سليمان أخذ ما كتبوا من ذلك فدفنه تحت كرسيه ؛ فلما توفي وجدته الشياطين فعلمته الناس . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن أبي بكر ، عن شهر بن حوشب ، قال : لما سلب سليمان ملكه كانت الشياطين تكتب السحر في غيبة سليمان ، فكتبت : من أراد أن يأتي كذا وكذا فليستقبل الشمس وليقل كذا وكذا ، ومن أراد أن يفعل كذا وكذا فليستدبر الشمس وليقل كذا وكذا . فكتبته وجعلت عنوانه : " هذا ما كتب آصف بن برخيا للملك سليمان بن داود من ذخائر كنوز العلم " ، ثم دفنته تحت كرسيه . فلما مات سليمان قام إبليس خطيبا فقال : يا أيها الناس إن سليمان لم يكن نبيا ، وإنما كان ساحرا ، فالتمسوا سحره في متاعه وبيوته ثم دلهم على المكان الذي دفن فيه ، فقالوا : والله لقد كان سليمان ساحرا ، هذا سحره ، بهذا تعبدنا ، وبهذا قهرنا . فقال المؤمنون : بل كان نبيا مؤمنا . فلما بعث الله النبي محمدا صلى الله عليه وسلم جعل يذكر الأَنبياء حتى ذكر داود وسليمان ، فقالت اليهود : انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل ، يذكر سليمان مع الأَنبياء ، وإنما كان ساحرا يركب الريح . فأنزل الله عذر سليمان : وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ الآية . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : حدثني ابن إسحاق : وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني لما ذكر سليمان بن داود في المرسلين ، قال بعض أحبار اليهود : ألا تعجبون من محمد يزعم أن ابن داود كان نبيا ، والله ما كان إلا ساحرا فأنزل الله في ذلك من قولهم : وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا أي باتباعهم السحر وعملهم به وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ . قال أبو جعفر : فإذا كان الأَمر في ذلك على ما وصفنا وتأويل قوله : وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا ما ذكرنا ؛ فتبين أن في الكلام متروكا ترك ذكره اكتفاء بما ذكر منه ، وأن معنى الكلام : وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ من السحر عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ فتضيفه إلى سليمان ، وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ فيعمل بالسحر وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ . وقد كان قتادة يتأول قوله : وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا على ما قلنا . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يقول : ما كان عن مشورته ، ولا عن رضا منه ؛ ولكنه شيء افتعلته الشياطين دونه . وقد دللنا فيما مضى على اختلاف المختلفين في معنى " تتلوا تلي ، وتوجيه من وجه ذلك إلى أن " تتلوا " بمعنى تلت ، إذ كان الذي قبله خبرا ماضيا