محمد بن جرير الطبري
338
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
كانت لكم الدار الآخرة يعني الخير عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً يقول : خاصة لكم . وأما قوله : مِنْ دُونِ النَّاسِ فإن الذي يدل عليه ظاهر التنزيل أنهم قالوا : لنا الدار الآخرة عند الله خالصة من دون جميع الناس . ويبين أن ذلك كان قولهم من غير استثناء منهم من ذلك أحدا من بني آدم إخبار الله عنهم أنهم قالوا : لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى . إلا أنه روي عن ابن عباس قول غير ذلك . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا عثمان بن سعيد ، قال : ثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : مِنْ دُونِ النَّاسِ يقول : من دون محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين استهزأتم بهم ، وزعمتم أن الحق في أيديكم ، وأن الدار الآخرة لكم دونهم . وأما قوله : فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ فإن تأويله : تشهوه وأريدوه . وقد روي عن ابن عباس أنه قال في تأويله : " فسلوا الموت " . ولا يعرف التمني بمعنى المسألة في كلام العرب ، ولكن أحسب أن ابن عباس وجه معنى الأَمنية إذ كانت محبة النفس وشهوتها إلى معنى الرغبة والمسألة ، إذ كانت المسألة هي رغبة السائل إلى الله فيما سأله . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا عثمان بن سعيد ، قال : ثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك عن ابن عباس : فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ فسلوا الموت إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن اليهود وكراهتهم الموت وامتناعهم عن الإِجابة إلى ما دعوا إليه من تمني الموت ، لعلمهم بأنهم إن فعلوا ذلك فالوعيد بهم نازل والموت بهم حال ، ولمعرفتهم بمحمد صلى الله عليه وسلم أنه رسول من الله إليهم مرسل وهم به مكذبون ، وأنه لم يخبرهم خبرا إلا كان حقا كما أخبر ، فهم يحذرون أن يتمنوا الموت خوفا أن يحل بهم عقاب الله بما كسبت أيديهم من الذنوب ، كالذي : حدثني محمد بن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : حدثني محمد بن إسحاق ، قال : حدثني محمد بن أبي محمد فيما يروي أبو جعفر ، عن سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس : قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ الآية ، أي ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب ، فأبوا ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم . يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أي لعلمهم بما عندهم من العلم بك والكفر بذلك . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا عثمان بن سعيد ، قال : ثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك عن ابن عباس : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً يقول : يا محمد ولن يتمنوه أبدا لأَنهم يعلمون أنهم كاذبون ، ولو كانوا صادقين لتمنوه ورغبوا في التعجيل إلى كرامتي ، فليس يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم . حدثني القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج قوله : فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وكانت اليهود أشد فرارا من الموت ، ولم يكونوا ليتمنوه أبدا . وأما قوله : بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فإنه يعني به بما أسلفته أيديهم . وإنما ذلك مثل على نحو ما تتمثل به العرب في كلامها ، فتقول للرجل يؤخذ بجريرة جرها أو جناية جناها فيعاقب عليها : نالك هذا بما جنت يداك ، وبما كسبت يداك ، وبما قدمت يداك ؛ فتضيف ذلك إلى اليد ، ولعل الجناية التي جناها فاستحق عليها العقوبة كانت باللسان أو بالفرج أو بغير ذلك من أعضاء جسده سوى اليد . قال : وإنما قيل ذلك بإضافته إلى اليد ؛ لأَن عظم جنايات الناس بأيديهم ،