محمد بن جرير الطبري

335

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

تخاطب فيه ثم تعود فيه إلى الخبر عن الغائب وتخبر عن الغائب ثم تخاطب كما بينا ذلك فيما مضى قبل . فكذلك ذلك في هذه الآية ؛ لأَن قوله : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ بمعنى : قلنا لكم فأجبتمونا . وأما قوله : قالُوا سَمِعْنا فإنه خبر من الله عن اليهود الذين أخذ ميثاقهم أن يعملوا بما في التوراة وأن يطيعوا الله فيما يسمعون منها أنهم قالوا حين قيل لهم ذلك : سمعنا قولك وعصينا أمرك . القول في تأويل قوله تعالى : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ . اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : وأشربوا في قلوبهم حب العجل . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : ثنا معمر ، عن قتادة : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ قال : أشربوا حبه حتى خلص ذلك إلى قلوبهم . حدثني المثنى ، قال : ثنا آدم ، قال : ثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ قال : أشربوا حب العجل بكفرهم . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ قال : أشربوا حب العجل في قلوبهم . وقال آخرون : معنى ذلك أنهم سقوا الماء الذي ذري فيه سحالة العجل . ذكر من قال ذلك . حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : لما رجع موسى إلى قومه أخذ العجل الذي وجدهم عاكفين عليه فذبحه ، ثم حرقه بالمبرد ، ثم ذراه في اليم ، فلم يبق بحر يومئذ يجري إلا وقع فيه شيء منه . ثم قال لهم موسى : اشربوا منه فشربوا منه ، فمن كان يحبه خرج على شاربه الذهب ؛ فذلك حين يقول الله عز وجل : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج عن ابن جريج ، قال : لما سحل فألقي في اليم استقبلوا جرية الماء ، فشربوا حتى ملئوا بطونهم ، فأورث ذلك من فعله منهم جبنا . قال أبو جعفر : وأولى التأويلين اللذين ذكرت بقول الله جل ثناؤه : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ تأويل من قال : وأشربوا في قلوبهم حب العجل ؛ لأَن الماء لا يقال منه : أشرب فلان في قلبه ، وإنما يقال ذلك في حب الشيء ، فيقال منه : أشرب قلب فلان حب كذا ، بمعنى سقي ذلك حتى غلب عليه وخالط قلبه ؛ كما قال زهير : فصحوت عنها بعد حب داخل * والحب يشربه فؤادك داء قال : ولكنه ترك ذكر الحب اكتفاء بفهم السامع لمعنى الكلام ، إذ كان معلوما أن العجل لا يشرب القلب ، وأن الذي يشرب القلب منه حبه ، كما قال جل ثناؤه : وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وكما قال الشاعر : ألا إنني سقيت أسود حالكا * ألا بجلي من الشراب ألا بجل يعني بذلك سما أسود ، فاكتفى بذكر أسود عن ذكر السم لمعرفة السامع معنى ما أراد بقوله : " سقيت أسود " ، ويروى : ألا إنني سقيت أسود سالخا وقد تقول العرب : إذا سرك أن تنظر إلى السخاء فانظر إلى هرم أو إلى حاتم ، فتجتزئ بذكر الاسم من ذكر فعله إذا كان معروفا بشجاعة أو سخاء أو ما أشبه ذلك من الصفات . ومنه قول الشاعر : يقولون جاهد يا جميل بغزوة * وإن جهادا طيئ وقتالها