محمد بن جرير الطبري
331
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
محمدا صلى الله عليه وسلم فباء بغضب . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ غضب الله عليهم بكفرهم بالإِنجيل وبعيسى ، وغضب عليهم بكفرهم بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم . حدثني المثنى قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : فَباؤُ بِغَضَبٍ اليهود بما كان من تبديلهم التوراة قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم ، عَلى غَضَبٍ جحودهم النبي صلى الله عليه وسلم وكفرهم بما جاء به . حدثنا المثنى ، قال : ثنا آدم ، قال : ثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ يقول : غضب الله عليهم بكفرهم بالإِنجيل وعيسى ، ثم غضبه عليهم بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ أما الغضب الأَول : فهو حين غضب الله عليهم في العجل ، وأما الغضب الثاني : فغضب عليهم حين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج وعطاء وعبيد بن عمير قوله : فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ قال : غضب الله عليهم فيما كانوا فيه من قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم من تبديلهم وكفرهم ، ثم غضب عليهم في محمد صلى الله عليه وسلم إذ خرج فكفروا به . قال أبو جعفر : وقد بينا معنى الغضب من الله على من غضب عليه من خلقه واختلاف المختلفين في صفته فيما مضى من كتابنا هذا بما أغنى عن إعادته ، والله تعالى أعلم . القول في تأويل قوله تعالى : وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ . يعني بقوله جل ثناؤه : وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ وللجاحدين نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من الناس كلهم عذاب من الله إما في الآخرة ، وإما في الدنيا والآخرة مُهِينٌ هو المذل صاحبه المخزي الملبسة هوانا وذلة . فإن قال قائل : أي عذاب هو غير مهين صاحبه فيكون للكافرين المهين منه ؟ قيل : إن المهين هو الذي قد بينا أنه المورث صاحبه ذلة وهوانا الذي يخلد فيه صاحبه لا ينتقل من هوانه إلى عز وكرامة أبدا ، وهو الذي خص الله به أهل الكفر به وبرسله ؛ وأما الذي هو غير مهين صاحبه : فهو ما كان تمحيصا لصاحبه ، وذلك هو كالسارق من أهل الإِسلام يسرق ما يجب عليه به القطع فتقطع يده ، والزاني منهم يزني فيقام عليه الحد ، وما أشبه ذلك من العذاب ، والنكال الذي جعله الله كفارات للذنوب التي عذب بها أهلها ، وكأهل الكبائر من أهل الإِسلام الذين يعذبون في الآخرة بمقادير أجرامهم التي ارتكبوها ليمحصوا من ذنوبهم ثم يدخلون الجنة . فإن كل ذلك وإن كان عذابا فغير مهين من عذب به ، إذ كان تعذيب الله إياه به ليمحصه من آثامه ثم يورده معدن العز والكرامة ويخلده في نعيم الجنان . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا يعني بقوله جل ثناؤه : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ وإذا قيل لليهود من بني إسرائيل للذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم : آمِنُوا أي صدقوا ، بِما أَنْزَلَ اللَّهُ يعني بما أنزل الله من القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم . قالُوا نُؤْمِنُ أي نصدق ، بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا يعني بالتوراة التي أنزلها الله على موسى . القول في تأويل قوله تعالى : وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ . يعني جل ثناؤه بقوله : وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ ويجحدون بما وراءه ، يعني بما وراء التوراة .