محمد بن جرير الطبري

320

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الْبَيِّناتِ أعطينا عيسى ابن مريم . ويعني بالبينات التي آتاه الله إياها ما أظهر على يديه من الحجج والدلالة على نبوته من إحياء الموتى وإبراء الأَكمة ونحو ذلك من الآيات التي أبانت منزلته من الله ، ودلت على صدقه وصحة نبوته . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : حدثني محمد بن إسحاق ، قال : ثنا محمد بن أبي محمد ، عن سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس : وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ أي الآيات التي وضع على يديه من إحياء الموتى ، وخلقه من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طائرا بإذن الله ، وإبراء الأَسقام ، والخبر بكثير من الغيوب مما يدخرون في بيوتهم ، وما رد عليهم من التوراة مع الإِنجيل الذي أحدث الله إليه . القول في تأويل قوله تعالى : وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ . أما معنى قوله : وَأَيَّدْناهُ فإنه قويناه فأعناه ، كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا أبو زهير عن جويبر ، عن الضحاك : وَأَيَّدْناهُ يقول : نصرناه . يقال منه أيد : أيدك الله : أي قواك ، وهو رجل ذو أيد وذو آد ، يراد : ذو قوة . ومنه قول العجاج : من أن تبدلت بآدي آدا يعني بشبابي قوة المشيب . ومنه قول الآخر : إن القداح إذا اجتمعن فرامها * بالكسر ذو جلد وبطش أيد يعني بالأَيد : القوي . ثم اختلف في تأويل قوله : بِرُوحِ الْقُدُسِ . فقال بعضهم : روح القدس الذي أخبر الله تعالى ذكره أنه أيد عيسى به هو جبريل عليه السلام . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ قال : هو جبريل . حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي قوله : وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ قال : هو جبريل عليه السلام . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك في قوله : وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ قال : روح القدس : . حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ قال : أيد عيسى بجبريل وهو روح القدس . وقال ابن حميد : حدثنا سلمة عن إسحاق ، قال : حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي الحسين المكي ، عن شهر بن حوشب الأَشعري : أن نفرا من اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : أخبرنا عن الروح قال : " أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل هل تعلمون أنه جبريل ، وهو يأتيني ؟ " قالوا : نعم . وقال آخرون : الروح الذي أيد الله به عيسى هو الإِنجيل . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ قال : أيد الله عيسى بالإِنجيل روحا كما جعل القرآن روحا كلاهما روح الله ، كما قال الله : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا . وقال آخرون : هو الاسم الذي كان عيسى يحيي به الموتى . ذكر من قال ذلك : حدثت عن المنجاب ، قال : ثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ قال : هو الاسم الذي كان يحيي عيسى به الموتى . وأولى التأويلات في ذلك بالصواب قول من قال : الروح في هذا الموضع جبريل ؛ لأَن الله جل ثناؤه أخبر أنه أيد عيسى به ، كما أخبر في قوله : إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ