محمد بن جرير الطبري
317
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ولا يفادي من وقع عليه العرب ، فقال له عبد الله بن سلام : أما إنه مكتوب عندك في كتابك أن فادوهن كلهن . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج : أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ قال : كفرهم القتل والإِخراج ، وإيمانهم الفداء . قال ابن جريج : يقول : إذا كانوا عندكم تقتلونهم وتخرجونهم من ديارهم . وأما إذا أسروا تفدونهم ؟ وبلغني أن عمر بن الخطاب قال في قصة بني إسرائيل : إن بني إسرائيل قد مضوا وإنكم أنتم تعنون بهذا الحديث . واختلف القراء في قراءة قوله : " وإن يأتوكم أسارى تفدوهم " فقرأه بعضهم : " أسرى تفدوهم " ، وبعضهم : أُسارى تُفادُوهُمْ ، وبعضهم : " أسارى تفدوهم " ، وبعضهم : " أسرى تفادوهم " . قال أبو جعفر : فمن قرأ ذلك : " وإن يأتوكم أسرى " ، فإنه أراد جمع الأَسير ، إذ كان على " فعيل " على مثال جمع أسماء ذوي العاهات التي يأتي واحدها على تقدير فعيل ، إذ كان الأَسر شبيه المعنى في الأَذى والمكروه الداخل على الأَسير ببعض معاني العاهات ؛ وألحق جمع المستلحق به بجمع ما وصفنا ، فقيل أسير وأسرى ، كما قيل مريض ومرضى وكسير وكسرى ، وجريح وجرحى . وقال أبو جعفر : وأما الذين قرءوا ذلك : أُسارى ، فإنهم أخرجوه على مخرج جمع فعلان ، إذ كان جمع " فعلان " الذي له " فعلى " قد يشارك جمع " فعيل " ، كما قالوا سكارى وسكرى وكسالى وكسلى ، فشبهوا أسيرا وجمعوه مرة أسارى وأخرى أسرى بذلك . وكان بعضهم يزعم أن معنى الأَسرى مخالف معنى الأَسارى ، ويزعم أن معنى الأَسرى استئسار القوم بغير أسر من المستأسر لهم ، وأن معنى الأَسارى معنى مصير القوم المأسورين في أيدي الآسرين بأسرهم وأخذهم قهرا وغلبة . قال أبو جعفر : وذلك ما لا وجه له يفهم في لغة أحد من العرب ، ولكن ذلك على ما وصفت من جمع الأَسير مرة على " فعلى " لما بينت من العلة ، ومرة على " فعالى " لما ذكرت من تشبيههم جمعه بجمع سكران وكسلان وما أشبه ذلك . وأولى بالصواب في ذلك قراءة من قرأ : " وإن يأتوكم أسرى " لأَن " فعالى " في جمع " فعيل " غير مستفيض في كلام العرب . فإذا كان ذلك غير مستفيض في كلامهم ، وكان مستفيضا فاشيا فيهم جمع ما كان من الصفات التي بمعنى الآلام والزمانة واحدة على تقدير " فعيل " على " فعلى " كالذي وصفنا قبل ، وكان أحد ذلك الأَسير ؛ كان الواجب أن يلحق بنظائره وأشكاله فيجمع جمعها دون غيرها ممن خالفها . وأما من قرأ : تُفادُوهُمْ فإنه أراد أنكم تفدونهم من أسرهم ، ويفدي منكم الذين أسروهم ففادوكم بهم أسراكم منهم . وأما من قرأ ذلك : " تفدوهم " فإنه أراد أنكم يا معشر اليهود إن أتاكم الذين أخرجتموهم منكم من ديارهم أسرى فديتموهم فاستنقذتموهم . وهذه القراءة أعجب إلي من الأَولى ، أعني : " أسرى تفدوهم " لأَن الذي على اليهود في دينهم فداء أسراهم بكل حال فدى الآسرون أسراهم منهم أم لم يفدوهم . وأما قوله : وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ فإن في قوله : وَهُوَ وجهين من التأويل ؛ أحدهما : أن يكون كناية عن الإِخراج الذي تقدم ذكره ، كأنه قال : وتخرجون فريقا منكم من ديارهم ، وإخراجهم محرم عليكم . ثم كرر الإِخراج الذي بعد وهو محرم عليكم تكريرا على " هو " ، لما حال بين " الإِخراج " و " هو " كلام . والتأويل الثاني : أن يكون عمادا لما كانت الواو التي مع " هو " تقتضي اسما يليها دون الفعل ، فلما قدم الفعل قبل الاسم الذي تقتضيه الواو أن يليها