محمد بن جرير الطبري

309

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

لو أظهر المحذوف : وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل بأن لا تعبدوا إلا الله ، وبأن تحسنوا إلى الوالدين إحسانا . فاكتفى بقوله : وَبِالْوالِدَيْنِ من أن يقال : وبأن تحسنوا إلى الوالدين إحسانا ، إذ كان مفهوما أن ذلك معناه بما ظهر من الكلام . وقد زعم بعض أهل العربية في ذلك أن معناه : وبالوالدين فأحسنوا إحسانا ؛ فجعل " الباء " التي في " الوالدين " من صلة الإِحسان مقدمة عليه . وقال آخرون : بل معنى ذلك : أن لا تعبدوا إلا الله ، وأحسنوا بالوالدين إحسانا . فزعموا أن " الباء " التي في " الوالدين " من صلة المحذوف ، أعني " أحسنوا " ، فجعلوا ذلك من كلامين . وإنما يصرف الكلام إلى ما ادعوا من ذلك إذا لم يوجد لاتساق الكلام على كلام واحد وجه ، فأما وللكلام وجه مفهوم على اتساقه على كلام واحد فلا وجه لصرفه إلى كلامين . وأخرى : أن القول في ذلك لو كان على ما قالوا لقيل : " وإلى الوالدين إحسانا " ؛ لأَنه إنما يقال : أحسن فلان إلى والديه ، ولا يقال : أحسن بوالديه ، إلا على استكراه للكلام . ولكن القول فيه ما قلنا ، وهو : وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل بكذا وبالوالدين إحسانا ، على ما بينا قبل . فيكون الإِحسان حينئذ مصدرا من الكلام لا من لفظه كما بينا فيما مضى من نظائره . فإن قال قائل : وما ذلك الإِحسان الذي أخذ عليهم وبالوالدين الميثاق ؟ قيل : نظير ما فرض الله على أمتنا لهما من فعل المعروف لهما والقول الجميل ، وخفض جناح الذل رحمة بهما والتحنن عليهما ، والرأفة بهما والدعاء بالخير لهما ، وما أشبه ذلك من الأَفعال التي ندب الله عباده أن يفعلوا بهما . القول في تأويل قوله تعالى : وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ . يعني بقوله : وَذِي الْقُرْبى وبذي القربى أن يصلوا قرابته منهم ورحمه . والقربى مصدر على تقدير " فعلى " من قولك : قربت مني رحم فلان قرابة وقربي وقرب بمعنى واحد . وأما اليتامى فهم جمع يتيم ، مثل أسير وأسارى ؛ ويدخل في اليتامى الذكور منهم والإِناث . ومعنى ذلك : وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وحده دون من سواه من الأَنداد وبالوالدين إحسانا وبذي القربى ، أن تصلوا رحمه ، وتعرفوا حقه ، وباليتامى : أن تتعطفوا عليهم بالرحمة والرأفة ، وبالمساكين : أن تؤتوهم حقوقهم التي ألزمها الله أموالكم . والمسكين : هو المتخشع المتذلل من الفاقة والحاجة ، وهو " مفعيل " من المسكنة ، والمسكنة هي ذل الحاجة والفاقة . القول في تأويل قوله تعالى : وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً . إن قال قائل : كيف قيل : وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً فأخرج الكلام أمرا ولما يتقدمه أمر ، بل الكلام جار من أول الآية مجرى الخبر ؟ قيل : إن الكلام وإن كان قد جرى في أول الآية مجرى الخبر فإنه مما يحسن في موضعه الخطاب بالأَمر والنهي ، فلو كان مكان : " لا تعبدون إلا الله " " لا تعبدوا إلا الله " على وجه النهي من الله لهم عن عبادة غيره كان حسنا صوابا ؛ وقد ذكر أن ذلك كذلك في قراءة أبي بن كعب . وإنما حسن ذلك وجاز لو كان مقروءا به لأَن أخذ الميثاق قول ، فكان معنى الكلام لو كان مقروءا كذلك : وإذ قلنا لبني إسرائيل لا تعبدوا إلا الله ، كما قال جل ثناؤه في موضع آخر : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ . فلما كان حسنا وضع الأَمر والنهي في موضع : لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ عطف بقوله : وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً على موضع لا تَعْبُدُونَ وإن كان مخالفا كل واحد منهما معناه معنى ما فيه ، لما وصفنا