محمد بن جرير الطبري

302

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

اليهود : لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ يعني لن تلاقي أجسامنا النار ، ولن ندخلها إلا أياما معدودة . وإنما قيل معدودة وإن لم يكن مبينا عددها في التنزيل ؛ لأَن الله جل ثناؤه أخبر عنهم بذلك وهم عارفون عدد الأَيام التي يوقتونها لمكثهم في النار ، فلذلك ترك ذكر تسمية عدد تلك الأَيام وسماها معدودة لما وصفنا . ثم اختلف أهل التأويل في مبلغ الأَيام المعدودة التي عينها اليهود القائلون ما أخبر الله عنهم من ذلك . فقال بعضهم بما : حدثنا به أبو كريب ، قال : ثنا عثمان بن سعيد ، عن بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قال ذلك أعداء الله اليهود ، قالوا : لن يدخلنا الله النار إلا تحلة القسم الأَيام التي أصبنا فيها العجل أربعين يوما ، فإذا انقضت عنا تلك الأَيام ، انقطع عنا العذاب والقسم . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قالوا : أياما معدودة بما أصبنا في العجل . حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قال : قالت اليهود : إن الله يدخلنا النار فنمكث فيها أربعين ليلة ، حتى إذا أكلت النار خطايانا واستنقتنا ، نادى مناد : أخرجوا كل مختون من ولد بني إسرائيل ، فلذلك أمرنا أن نختتن . قالوا : فلا يدعون منا في النار أحدا إلا أخرجوه . حدثني المثنى ، قال : ثنا آدم ، قال : ثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، قال : قالت اليهود : أن ربنا عتب علينا في أمرنا ، فأقسم ليعذبنا أربعين ليلة ، ثم يخرجنا . فأكذبهم الله . حدثني المثنى ، قال : ثنا آدم ، قال : ثنا أبو جعفر ، عن قتادة ، قال : قالت اليهود : لن ندخل النار إلا تحلة القسم ، عدد الأَيام التي عبدنا فيها العجل . حدثني محمد بن سعد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عمي ، قال : حدثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قوله : لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً الآية . قال ابن عباس : ذكر أن اليهود وجدوا في التوراة مكتوبا : " إن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم نابتة في أصل الجحيم " . وكان ابن عباس يقول : إن الجحيم سقر ، وفيه شجرة الزقوم ، فزعم أعداء الله أنه إذا خلا العدد الذي وجدوا في كتابهم أياما معدودة . وإنما يعني بذلك المسير الذي ينتهي إلى أصل الجحيم ، فقالوا : إذا خلا العدد انتهى الأَجل فلا عذاب وتذهب جهنم وتهلك ؛ فذلك قوله : لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً يعنون بذلك الأَجل . فقال ابن عباس : لما اقتحموا من باب جهنم ساروا في العذاب ، حتى انتهوا إلى شجرة الزقوم آخر يوم من الأَيام المعدودة ، قال لهم خزان سقر : زعمتم أنكم لن تمسكم النار إلا أياما معدودة ، فقد خلا العدد وأنتم في الأَبد فأخذ بهم في الصعود في جهنم يرهقون . حدثني محمد بن سعد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عمي ، قال : حدثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس : وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً إلا أربعين ليلة . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا حفص بن عمر ، عن الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، قال : خاصمت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : لن ندخل النار إلا أربعين ليلة ، وسيخلفنا فيها قوم آخرون يعنون محمدا وأصحابه رسول الله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على رؤوسهم : " بل أنتم فيها خالدون