محمد بن جرير الطبري

298

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الأَكاذيب ظنا منهم لا يقينا . ولو كان معني ذلك أنهم يتلونه بم يكونوا ظانين ، وكذلك لو كان معناه : يشتهونه ؛ لأَن الذي يتلوه إذا تدبره علمه ، ولا يستحق الذي يتلو كتابا قرأه وإن لم يتدبره بتركه التدبير أن يقال : هو ظان لما يتلو إلا أن يكون شاكا في نفس ما يتلوه لا يدري أحق هو أم باطل . ولم يكن القوم الذين كانوا يتلون التوراة على عصر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود فيما بلغنا شاكين في التوراة أنها من عند الله . وكذلك التمني الذي هو في معنى المشتهي غير جائز أن يقال : هو ظان في تمنيه ، لأَن التمني من المتمني إذا تمنى ما قد وجد عينه فغير جائز أن يقال : هو شاك فيما هو به عالم ؛ لأَن العلم والشك معنيان ينفي كل واحد منهما صاحبه لا يجوز اجتماعهما في حيز واحد ، والمتمني في حال تمنيه موجود غير جائز أن يقال : هو يظن تمنيه . وإنما قيل : لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ والأَماني من غير نوع الكتاب ، كما قال ربنا جل ثناؤه : ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ والظن من العلم بمعزل ، وكما قال : وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى وكما قال الشاعر : ليس بيني وبين قيس عتاب * غير طعن الكلي وضرب الرقاب وكما قال نابغة بني ذبيان : حلفت يمينا غير ذي مثنوية * ولا علم إلا حسن ظن بغائب في نظائر لما ذكرنا يطول بإحصائها الكتاب . ويخرج ب " إلا " ما بعدها من معنى ما قبلها ، ومن صفته ، وإن كان كل واحد منهما من غير شكل الآخر ومن غير نوعه ، ويسمي ذلك بعض أهل العربية استثناء منقطعا لانقطاع الكلام الذي يأتي بعد إلا عن معنى ما قبلها . وإنما يكون ذلك كذلك في كل موضع حسن أن يوضع فيه مكان " إلا " " لكن " ، فيعلم حينئذ انقطاع معنى الثاني عن معنى الأَول ، ألا ترى أنك إذا قلت : وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ ثم أردت وضع " ولكن " مكان " إلا " وحذف " إلا " ، وجدت الكلام صحيحا معناه صحته وفيه " إلا " ؟ وذلك إذا قلت : وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ لكن أماني ، يعني لكنهم يتمنون ، وكذلك قوله : ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ لكن اتباع الظن ، بمعنى : لكنهم يتبعون الظن ، وكذلك جميع هذا النوع من الكلام على ما وصفنا . وقد ذكر عن بعض القراء أنه قرأ : إِلَّا أَمانِيَّ مخففة ، ومن خفف ذلك وجهه إلى نحو جمعهم المفتاح مفاتح ، والقرقور قراقر ، وإن ياء الجمع لما حذفت خففت الياء الأَصلية ، أعني من الأَماني ، كما جمعوا الأَثفية أثافي مخففة ، كما قال زهير بن أبي سلمى : أثافي سفعا في معرس مرجل * ونؤيا كجذم الحوض لم يتثلم وأما من ثقل : أَمانِيَّ فشدد ياءها فإنه وجه ذلك إلى نحو جمعهم المفتاح مفاتيح ، والقرقور قراقير ، والزنبور زنابير ، فاجتمعت ياء فعاليل ولامها وهما جميعا ياءان فأدغمت إحداهما في الأَخرى فصارتا ياء واحدة مشددة . فأما القراءة التي لا يجوز غيرها عندي لقارئ في ذلك فتشديد ياء الأَماني ، لإِجماع القراء على أنها القراءة التي مضى على القراءة بها السلف مستفيض ، ذلك بينهم غير مدفوعة صحته ، وشذوذ القارئ بتخفيفها عما عليه الحجة مجمعة في ذلك وكفى خطأ على قارئ ذلك بتخفيفها إجماعا