محمد بن جرير الطبري

294

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وسلم فقال : " اخسئوا يا إخوة القردة والخنازير " . حدثنا القاسم ، قال : حدثني الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : أخبرني القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد في قوله ، أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ قال : قام النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة تحت حصونهم ، فقال : " يا إخوان القردة ويا إخوان الخنازير ويا عبدة الطاغوت " فقالوا : من أخبر هذا محمدا ؟ ما خرج هذا إلا منكم أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بما حكم الله للفتح ليكون لهم حجة عليكم ؛ قال ابن جريج ، عن مجاهد : هذا حين أرسل إليهم عليا فآذوا محمدا صلى الله عليه وسلم . وقال آخرون بما : حدثنا موسى : قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : قالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ من العذاب ليحاجوكم به عند ربكم ؟ هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا ، فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذبوا به ، فقال بعضهم لبعض : أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من العذاب ليقولوا نحن أحب إلى الله منكم ، وأكرم على الله منكم ؟ وقال آخرون بما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ قال : كانوا إذا سئلوا عن الشيء قالوا : أما تعلمون في التوراة كذا وكذا ؟ قالوا : بلى . قال : وهم يهود ، فيقول لهم رؤساؤهم الذين يرجعون إليهم : ما لكم تخبرونهم بالذي أنزل الله عليكم فيحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون ؟ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يدخلن علينا قصبة المدينة إلا مؤمن " فقال رؤساؤهم من أهل الكفر والنفاق : اذهبوا فقولوا آمنا ، واكفروا إذا رجعتم . قال : فكانوا يأتون المدينة بالبكر ويرجعون إليهم بعد العصر . وقرأ قول الله : وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وكانوا يقولون إذا دخلوا المدينة : نحن مسلمون ، ليعلموا خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره ؛ وإذا رجعوا ، رجعوا إلى الكفر . فلما أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بهم ، قطع ذلك عنهم فلم يكونوا يدخلون . وكان المؤمنون الذين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يظنون أنهم مؤمنون ، فيقولون لهم : أليس قد قال الله لكم كذا وكذا ؟ فيقولون : بلى . فإذا رجعوا إلى قومهم قالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الآية . وأصل الفتح في كلام العرب : النصر والقضاء والحكم ، يقال منه : اللهم افتح بيني وبين فلان : أي أحكم بيني وبينه ، ومنه قول الشاعر : ألا أبلغ بني عصم رسولا * بأني عن فتاحتكم غني قال : ويقال للقاضي : الفتاح ، ومنه قول الله عز وجل : رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ أي أحكم بيننا وبينهم . فإذا كان معنى الفتح ما وصفنا ، تبين أن معنى قوله : قالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ إنما هو أتحدثونهم بما حكم الله به عليكم وقضاه فيكم ، ومن حكمه جل ثناؤه عليهم ما أخذ به ميثاقهم من الإِيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وبما جاء به