محمد بن جرير الطبري

291

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

حدثني المثنى ، قال ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد بنحوه . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ قال : هي التوراة حرفوها . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ قال : التوراة التي أنزلها عليهم يحرفونها ، يجعلون الحلال فيها حراما والحرام فيها حلالا ، والحق فيها باطلا والباطل فيها حقا ، إذا جاءهم المحق برشوة أخرجوا له كتاب الله ، وإذا جاءهم المبطل برشوة أخرجوا له ذلك الكتاب فهو فيه محق ، وإن جاء أحد يسألهم شيئا ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء أمروه بالحق ، فقال لهم : أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ وقال آخرون في ذلك بما : حدثت عن عمار بن الحسن ، قال : أخبرنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع في قوله : وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ فكانوا يسمعون من ذلك كما يسمع أهل النبوة ، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق في قوله : وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ الآية ، قال : ليس قوله : يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ يسمعون التوراة ، كلهم قد سمعها ؛ ولكنهم الذين سألوا موسى رؤية ربهم ، فأخذتهم الصاعقة فيها . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، قال : بلغني عن بعض أهل العلم أنهم قالوا لموسى : يا موسى قد حيل بيننا وبين رؤية الله عز وجل ، فأسمعنا كلامه حين يكلمك فطلب ذلك موسى إلى ربه ، فقال : نعم ، فمرهم فليتطهروا وليطهروا ثيابهم ويصوموا ففعلوا ، ثم خرج بهم حتى أتى الطور ، فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى عليه السلام ، فوقعوا سجودا ، وكلمه ربه فسمعوا كلامه يأمرهم وينهاهم ، حتى عقلوا ما سمعوا ، ثم انصرف بهم إلى بني إسرائيل ، فلما جاءوهم حرف فريق منهم ما أمرهم به ، وقالوا حين قال موسى لبني إسرائيل : إن الله قد أمركم بكذا وكذا ، قال ذلك الفريق الذي ذكرهم الله : إنما قال كذا وكذا خلافا لما قال الله عز وجل لهم . فهم الذين عنى الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم . وأولى التأويلين اللذين ذكرت بالآية وأشبههما بما دل عليه ظاهر التلاوة ، ما قاله الربيع بن أنس والذي حكاه ابن إسحاق عن بعض أهل العلم ، من أن الله تعالى ذكره إنما عنى بذلك من سمع كلامه من بني إسرائيل سماع موسى إياه منه ثم حرف ذلك وبدل من بعد سماعه وعلمه به وفهمه إياه . وذلك أن الله جل ثناؤه إنما أخبر أن التحريف كان من فريق منهم كانوا يسمعون كلام الله عز وجل استعظاما من الله لما كانوا يأتون من البهتان بعد توكيد الحجة عليهم والبرهان ، وإيذانا منه تعالى ذكره عباده المؤمنين وقطع أطماعهم من إيمان بقايا نسلهم بما أتاهم به محمد من الحق والنور والهدى ، فقال لهم : كيف تطمعون في تصديق هؤلاء اليهود إياكم وإنما تخيرونهم بالذي تخبرونهم من الإِنباء عن الله عز وجل عن غيب لم يشاهدوه ولم يعاينوه ؟ وقد كان بعضهم يسمع من الله كلامه ، وأمره ونهيه ، ثم يبدله ويحرفه ويجحده ، فهؤلاء الذين بين أظهركم من بقايا نسلهم أحرى أن يجحدوا ما أتيتموهم به من الحق وهم لا يسمعونه من الله ، وإنما يسمعونه منكم