محمد بن جرير الطبري
289
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ذلك منه ما يتفجر بالأَنهار ومنه ما يتشقق بالماء ومنه ما يهبط من خشية الله ، فأخبر تعالى ذكره أن من الحجارة ما هو ألين من قلوبهم لما يدعون إليه من الحق . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق . وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله جل ثناؤه : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ قال : كل حجر يتفجر منه الماء أو يتشقق عن ماء ، أو يتردى من رأس جبل ، فهو من خشية الله عز وجل ، نزل بذلك القرآن . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله . حدثني بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ثم عذر الحجارة ولم يعذر شقي ابن آدم ، فقال : وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة مثله . حدثني محمد بن سعد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عمي ، قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : ثم عذر الله الحجارة قال : وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا حجاج ، عن ابن جريج أنه قال : فيها كل حجر انفجر منه ماء أو تشقق عن ماء أو تردى من جبل ، فمن خشية الله نزل به القرآن . ثم اختلف أهل النحو في معنى هبوط ما هبط من الحجارة من خشية الله . فقال بعضهم : إن هبوط ما هبط منها من خشية الله : تفيؤ ظلاله . وقال آخرون : ذلك الجبل الذي صار دكا إذ تجلى له ربه . وقال بعضهم : ذلك كان منه ويكون بأن الله جل ذكره أعطى بعض الحجارة المعرفة والفهم ، فعقل طاعة الله فأطاعه ؛ كالذي روي عن الجذع الذي كان يستند إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب فلما تحول عنه حن . وكالذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن حجرا كان يسلم علي في الجاهلية إني لأَعرفه الآن " . وقال آخرون : بل قوله : يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ كقوله : جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ولا إرادة له ، قالوا : وإنما أريد بذلك أنه من عظم أمر الله يرى كأنه هابط خاشع من ذل خشية الله ، كما قال زيد الخيل : بجمع تضل البلق في حجراته * ترى الأَكم فيها سجدا للحوافر وكما قال سويد بن أبي كاهل يصف عدوا له يريد أنه ذليل ساجد المنخر لا يرفعه * خاشع الطرف أصم المستمع وكما قال جرير بن عطية : لما أتى خبر الرسول تضعضعت * سور المدينة والجبال الخشع وقال آخرون : معنى قوله : يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ أي يوجب الخشية لغيره بدلالته على صانعه كما قيل : ناقة تاجرة : إذا كانت من نجابتها وفراهتها تدعو الناس إلى الرغبة فيها ، كما قال جرير بن عطية : وأعور من نبهان أما نهاره * فأعمى وأما ليله فبصير