محمد بن جرير الطبري
283
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
تولي الضجيع إذا ما استافها خصرا * عذب المذاق إذا ما أتابع القبل يريد إذا ما تتابع القبل ، فأدغم إحدى التاءين في الأَخرى . فلما أدغمت التاء في الدال فجعلت دالا مثلها سكنت ، فجلبوا ألفا ليصلوا إلى الكلام بها ، وذلك إذا كان قبله شيء ؛ لأَن الإِدغام لا يكون إلا وقبله شيء ، ومنه قول الله جل ثناؤه : حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً إنما هو تداركوا ، ولكن التاء منها أدغمت في الدال فصارت دالا مشددة ، وجعلت فيها ألف إذا وصلت بكلام قبلها ليسلم الإِدغام . وإذا لم يكن قبل ذلك ما يواصله ، وابتدئ به ، قيل : تداركوا وتثاقلوا ، فأظهروا الإِدغام . وقد قيل : يقال : اداركوا وادارءوا . وقد قيل إن معنى قوله : فَادَّارَأْتُمْ فِيها فتدافعتم فيها ، من قول القائل : درأت هذا الأَمر عني ، ومن قول الله : وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ بمعنى يدفع عنها العذاب . وهذا قول قريب المعنى من القول الأَول ؛ لأَن القوم إنما تدافعوا قتل قتيل ، فانتفى كل فريق منهم أن يكون قاتله ، كما قد بينا قبل فيما مضى من كتابنا هذا . وبنحو الذي قلنا في معنى قوله : فَادَّارَأْتُمْ فِيها قال أهل التأويل . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : حدثني عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : فَادَّارَأْتُمْ فِيها قال : اختلفتم فيها . حدثنا المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها قال بعضهم : أنتم قتلتموه ، وقال الآخرون : أنتم قتلتموه . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : فَادَّارَأْتُمْ فِيها قال : اختلفتم ، وهو التنازع تنازعوا فيه . قال : قال هؤلاء : أنتم قتلتموه ، وقال هؤلاء : لا . وكان تدارؤهم في النفس التي قتلوها . كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : صاحب البقرة رجل من بني إسرائيل قتله رجل فألقاه على باب ناس آخرين ، فجاء أولياء المقتول فأدعوا دمه عندهم فانتفوا أو انتقلوا منه ؛ شك أبو عاصم . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد بمثله سواء ، إلا أنه قال : فادعوا دمه عندهم ، فانتفوا ولم يشك منه . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : قتيل كان في بني إسرائيل فقذف كل سبط منهم حتى تفاقم بينهم الشر حتى ترافعوا في ذلك إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فأوحى إلى موسى أن اذبح بقرة فاضربه ببعضها . فذكر لنا أن وليه الذي كان يطلب بدمه هو الذي قتله من أجل ميراث كان بينهم . حدثني ابن سعد ، قال : حدثني عمي ، قال : حدثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس في شأن البقرة : وذلك أن شيخا من بني إسرائيل على عهد موسى كان مكثرا من المال ، وكان بنو أخيه فقراء لا مال لهم ، وكان الشيخ لا ولد له ، وكان بنو أخيه ورثته ، فقالوا : ليت عمنا قد مات فورثنا ماله . وإنه لما تطاول عليهم أن لا يموت عمهم أتاهم الشيطان ، فقال : هل لكم إلى أن تقتلوا عمكم فترثوا ماله ، وتغرموا أهل المدينة التي لستم بها ديته ؟ وذلك أنهما كانتا مدينتين كانوا في إحداهما ، فكان القتيل إذا قتل وطرح بين المدينتين ، قيس ما بين القتيل وما بين المدينتين ، فأيهما كانت أقرب إليه غرمت الدية . وإنهم لما سول لهم الشيطان ذلك وتطاول عليهم أن لا يموت عمهم ، عمدوا إليه فقتلوه ، ثم عمدوا فطرحوه على باب المدينة