محمد بن جرير الطبري

276

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

المثنى ، قال : ثنا آدم ، قال : ثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، قال : لو أن القوم حين أمروا أن يذبحوا بقرة استعرضوا بقرة من البقر فذبحوها لكانت إياها ، ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم ، ولولا أن القوم استثنوا فقالوا : وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ لما هدوا إليها أبدا . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : " إنما أمر القوم بأدنى بقرة ولكنهم لما شددوا على أنفسهم شدد عليهم ، والذي نفس محمد بيده لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأَبد " . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي في خبر ذكره ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، قال : لو اعترضوا بقرة فذبحوها لأَجزأت عنهم ولكنهم شددوا وتعنتوا موسى فشدد الله عليهم . حدثنا أبو كريب قال : قال أبو بكر بن عياش ، قال ابن عباس : لو أن القوم نظروا أدنى بقرة ، يعني بني إسرائيل لأَجزأت عنهم ، ولكن شددوا فشدد عليهم ، فاشتروها بملء جلدها دنانير . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : لو أخذوا بقرة كما أمرهم الله كفاهم ذلك ، ولكن البلاء في هذه المسائل ، ف قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ فشدد عليهم ، فقال : إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ ، قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ قال : وشدد عليهم أشد من الأَول فقرأ حتى بلغ : مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها فأبوا أيضا . قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ فشدد عليهم ف قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها . قال : فاضطروا إلى بقرة لا يعلم على صفتها غيرها ، وهي صفراء ، ليس فيها سواد ولا بياض . قال أبو جعفر : وهذه الأَقوال التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه من الصحابة والتابعين والخالفين بعدهم من قولهم : إن بني إسرائيل لو كانوا أخذوا أدنى بقرة فذبحوها أجزأت عنهم ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم ، من أوضح الدلالة على أن القوم كانوا يرون أن حكم الله فيما أمر ونهى في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم على العموم الظاهر دون الخصوص الباطن ، إلا أن يخص ، بعض ما عمه ظاهر التنزيل كتاب من الله أو رسول الله ، وأن التنزيل أو الرسول إن خص بعض ما عمه ظاهر التنزيل بحكم خلاف ما دل عليه الظاهر ، فالمخصوص من ذلك خارج من حكم الآية التي عمت ذلك الجنس خاصة ، وسائر حكم الآية على العموم ، على نحو ما قد بيناه في كتابنا كتاب " الرسالة من لطيف القول في البيان عن أصول الأَحكام " في قولنا في العموم والخصوص ، وموافقة قولهم في ذلك قولنا ، ومذهبهم مذهبنا ، وتخطئتهم قول القائلين بالخصوص في الأَحكام ، وشهادتهم على فساد قول من قال : حكم الآية الجائية مجيء العموم على العموم ما لم يختص منها بعض ما عمته الآية ، فإن خص منها بعض ، فحكم الآية حينئذ على الخصوص فيما خص منها ، وسائر ذلك على العموم . وذلك أن جميع من ذكرنا قوله آنفا ممن عاب على بني إسرائيل مسألتهم نبيهم صلى الله عليه وسلم عن صفة البقرة التي أمروا بذبحها وسنها وحليتها ، رأوا أنهم كانوا في مسألتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم موسى ذلك مخطئين ، وأنهم لو كانوا استعرضوا أدنى