محمد بن جرير الطبري

268

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ألقاه على مجمع الطريق ، وأتى موسى ، فقال له : إن قريبي قتل ، وأتى إلي أمر عظيم ، وإني لا أجد أحدا يبين لي من قتله غيرك يا نبي الله . قال : فنادى موسى في الناس : أنشد الله من كان عنده من هذا علم إلا بينه لنا فلم يكن عندهم علمه ، فأقبل القاتل على موسى فقال : أنت نبي الله ، فاسأل لنا ربك أن يبين لنا فسأل ربه فأوحى الله إليه : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً فعجبوا وقالوا : أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ يعني لا هرمة وَلا بِكْرٌ يعني ولا صغيرة عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ أي نصف بين البكر والهرمة ، قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها أي صاف لونها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ أي تعجب الناظرين . قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ أي لم يذللها العمل تُثِيرُ الْأَرْضَ يعني ليست بذلول فتثير الأَرض وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ يقول ولا تعمل في الحرث مُسَلَّمَةٌ يعني مسلمة من العيوب لا شِيَةَ فِيها يقول لا بياض فيها . قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ . قال : ولو أن القوم حين أمروا أن يذبحوا بقرة استعرضوا بقرة من البقر فذبحوها لكانت إياها ، ولكنهم شددوا على أنفسهم ، فشدد الله عليهم . ولولا أن القوم استثنوا فقالوا : وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ لما هدوا إليها أبدا . فبلغنا أنهم لم يجدوا البقر التي نعتت لهم إلا عند عجوز عندها يتامى ، وهي القيمة عليهم ، فلما علمت أنهم لا يزكوا لهم غيرها أضعفت عليهم الثمن ، فأتوا موسى ، فأخبروه أنهم لم يجدوا هذا النعت إلا عند فلانة ، وأنها سألتهم أضعاف ثمنها ، فقال لهم موسى : إن الله قد كان خفف عليكم ، فشددتم على أنفسكم ، فأعطوها رضاها وحكمها ففعلوا واشتروها ، فذبحوها . فأمرهم موسى أن يأخذوا عظما منها فيضربوا به القتيل ، ففعلوا ، فرجع إليه روحه ، فسمى لهم قاتله ، ثم عاد ميتا كما كان . فأخذوا قاتله وهو الذي كان أتى موسى فشكى إليه ، فقتله الله على أسوء عمله . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قال : كان رجل من بني إسرائيل مكثرا من المال ، وكانت له ابنة وكان له ابن أخ محتاج . فخطب إليه ابن أخيه ابنته فأبي أن يزوجه إياها ، فغضب الفتى وقال : والله لأَقتلن عمي ولآخذن ماله ولأَنكحن ابنته ولآكلن ديته فأتاه الفتى وقد قدم تجار في بعض أسباط بني إسرائيل ، فقال : يا عم أنطلق معي فخذلي من تجارة هؤلاء القوم لعلي أصيب منها ، فإنهم إذا رأوك معي أعطوني . فخرج العم مع الفتى ليلا ، فلما بلغ الشيخ ذلك السبط قتله الفتى ثم رجع إلى أهله . فلما أصبح جاء كأنه يطلب عمه ، كأنه لا يدري أين هو فلم يجده ، فانطلق نحوه فإذا هو بذلك السبط مجتمعين عليه ، فأخذهم وقال : قتلتم عمي فأدوا إلي ديته . وجعل يبكي ويحثو التراب على رأسه وينادى وا عماه . فرفعهم إلى موسى ، فقضى عليهم بالدية ، فقالوا له : يا رسول الله : ادع لنا حتى يتبين له من صاحبه فيؤخذ صاحب الجريمة ، فوالله إن ديته علينا لهينة ، ولكنا نستحي أن نعير به . فذلك حين يقول الله جل ثناؤه : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فقال لهم موسى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالوا : نسألك عن القتيل وعمن قتله وتقول اذبحوا بقرة ، أتهزأ بنا ؟ قال موسى : أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ . قال : قال ابن عباس : فلو اعترضوا بقرة فذبحوها لأَجزأت عنهم ،